اســتـــراحــة الـمحــارب

استراحة عقلية و فكرية لمحارب.. فى دنيا الله .. يبحث عن الحكمة ..

من أنا

صورتي
رحالة فى دنيا الله .. من أرض الى أرض .. اسمع و انصت ... و اعقل ..لعلى اعتبر أبحث عن الحكمة .. فأين أجدها؟

زوار الاستراحة

المتابعون

ابحث فى الاستراحة

بحث مخصص

الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل: «المقال الثانى» أسباب للتأييد .. وأسباب للصمت
17/1/2008

كل نظام جديد - في أي وطن من الأوطان - يطلب لنفسه، وتقبل منه جماهيره «فترة سماح» تتيح له فرصة الإمساك بالخطوط، وإعادة التقدير واستكشاف البدائل، والتخطيط للمسؤولية، ومن ثم يبدأ وفاؤه بما تعلق به من آمال، هي في الواقع نوع من «الرهان» علي المستقبل.
وتختلف فترة السماح من وطن إلي آخر وفق ظروفه، ففي الولايات المتحدة مثلاً - وفي أوروبا كذلك - تكون «فترة السماح» لأي نظام أو أي رئيس هي «الأيام المائة الأولي»، وبعدها - وليس قبلها - يبدأ الناس في السؤال عن: ماذا؟ - كيف؟ - ومتي؟
وفي العالم الثالث فإن فترة السماح تمتد في الغالب - سنة - خصوصًا إذا كان العهد الجديد قد وصل إلي مواقع الحكم من خلال مفاجآت وتقلصات غير عادية، بحيث يصبح عدلاً أن تطول فترة السماح.

وكان هذا المقال - الثاني - في هذه المجموعة من ستة - بعد سنة كاملة من رئاسة «حسني مبارك»، وبداية للسؤال عن: ماذا؟ - كيف؟ - ومتي؟

نوفمبر 1982
سيادة الرئيس:
في جزء سبق من هذه الرسالة التي أتوجه بها إليكم بعد عام من تأييد طوعي لكم، ثم صمت ألزمت به نفسي ولم يلزمني به أحد - عددت أمامكم دوافعي للموقفين:
* ما كان - أو لم يكن - من أسبابي للصمت.
* ما كان - ولا يزال - من أسبابي للتأييد.
وكنت قد فرغت من عرض أسباب الصمت، ثم انتقلت إلي أسباب التأييد، وعددت منها اثنين:

* أولهما: سجلك في الخدمة العامة، وملخصه بواقع الملف السري لخدمتكم: «وطني، كفء، لديه ملكة القيادة» - ثم تأكيد ذلك بمتابعة لدورك في أكتوبر 1973 - وبالتحديد لدور الطيران.

* وثانيهما: أنك لست مدينًا لأحد، و«أنهم أرادوك لهم، ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون». وكان دليلي علي ذلك قولكم لنا يوم خروجنا من الأسر إلي القصر: «أريد فتح صفحة جديدة في تاريخ مصر، أريد حوارًا مفتوحًا مع كل القوي الوطنية، أعطوني وقتًا لأفكر في خياراتي».

كانت هذه العبارات صدي عائدًا لما سمعه الشعب منكم، حين تقدمتم إليه تطلبون ثقته. وكنا نحن لا نزال وراء القضبان. ثم سمعنا منكم مباشرة ما سمعه الشعب قبلنا، وكما فهمت جموعه، فهمنا. وكان معني القول - والصدي - ببساطة أنكم بحس وطني مرهف تقدمون أنفسكم لشعبكم بهويتكم المستقلة، أول عهد وليس بقية عهد، ووصلت الإشارة والبشارة إلي الكل، وجاءوا جميعًا إليكم مطمئنين وراضين.
* * *
وفي هذا الجزء من هذه الرسالة - التي أستميحكم العذر في استرسالاتها واستطراداتها - فلقد كان المفروض - يا سيادة الرئيس - أن أستكمل بقية أسبابي لتأييدكم، وسوف أفعل.
لكن سؤالاً اعتراضيا يستوقفني، ولعله يستوقف غيري، وربما كان الأفضل أن أفرغ منه لينفسح الطريق إلي بقية الحديث.
السؤال الاعتراضي يقول:
«ولماذا التوجه بالحديث إليكم مباشرة؟».
وردي عليه مباشرة:
«ولمن غيركم نتوجه بالحديث؟».
وهذه - يا سيادة الرئيس - ليست صيغة مجاملة، وإنما محاولة لصياغة الحقيقة التي ينبغي أن نواجهها كما هي، وبدون تفلت للهرب منها سواء بالتجاهل أو بالتزويق!
وتساوي هذه الحقيقة أن أقف أمامها بما هو أكثر من صياغة عامة تحتويها جملة واحدة قلت فيها: «ولمن غيركم نتوجه بالحديث؟».
وإذا أذنتم لي بهذه الوقفة - يا سيادة الرئيس - فإني أفصل الأمر علي الوجه التالي:

- 1 -
في معظم بلدان العالم الثالث - وفي المرحلة الراهنة من تطورها الاقتصادي والاجتماعي، ومن ثم السياسي - فإن السلطة مؤسسة واحدة، هي رئاسة الدولة.
ولهذه المؤسسة الواحدة أدوات، كما أن من حولها قوي ومجموعات وتيارات.
- والأدوات تتمثل أساسًا في الجهاز الرسمي للحكم بفروعه المختلفة، ابتداء من حامل بندقية الأمن إلي حامل دفتر تحصيل الضرائب.
- وأما القوي والمجموعات والتيارات، فخليط يتفاعل مع بعضه، وحركة هذا التفاعل والفاعلية النسبية لأطرافه - هي التي تخلق المناخ العام الذي يجري فيه العمل الوطني في أي بلد من البلدان.
* وبصفة عامة فإن القوي عادة - هم أصحاب المصالح القائمة في المجتمع.
* وبصفة عامة أيضًا فإن المجموعات عادة - هي مشروعات (أو محاولات أو طموحات) تتصدي للمصالح القائمة.
* وبصفة عامة أخيرًا فإن التيارات عادة - هي شحنات الفكر المتلفتة إلي كل اتجاه، تفتش وتبحث عن مثال، وتشد معها إلي التفتيش والبحث جماهير يشكل اتجاهها مع هذا التيار أو ذلك ما يمكن تسميته بـ: «الإحساس العام». ولا أتجاسر - علي الواقع - فأسميه «الرأي العام»، لأن «الرأي العام» - في البلدان التي تسمح الظروف بظهوره وبتأثيره فيها - يستطيع أن يفرض، وأما «الإحساس العام» فإن أقصي ما يستطيع بلوغه أن يعارض - بمعني أدق يعرقل.
إن حركة التفاعل بين هذه العناصر كلها: مؤسسة الرئاسة الوحيدة، وأجهزة هذه المؤسسة، ثم خليط القوي والمجموعات والتيارات - حركة بالغة التعقيد في أوطان خرجت بالكاد من عصور التبعية تبحث لنفسها عن مكان في عالم أشبه ما يكون ببحور الظلمات التي تتحدث عنها حكايات السندباد.
وفي تحديد مواضع هذا الخليط علي الساحة، فإنه يمكن القول بشكل إجمالي ما يلي:
* القوي (أصحاب المصالح القائمة) - وهم باستمرار قرب السلطة لا يطيقون بعادًا عنها، لأن قربهم ضمان مصالحهم، وقربهم في نفس الوقت تسهيل تأثيرهم.
ورغبتهم في القرب تجعلهم علي استعداد باستمرار، وجاهزين طول الوقت لما يطلب منهم، لأنه المقدمة المنطقية لما يمكن لهم - بدورهم - أن يطلبوه.
* والمجموعات (مشروعات أو محاولات أو طموحات التصدي للمصالح القائمة) - فإن أطرافها في موقف مركب، فهم مع السلطة في حركة جدل لا ينقطع، يريدون عرض مطالبهم أمامها باستمرار ويحاولون إقناعها بأنهم وإن كانوا في هذه اللحظة مجموعات إلا أنهم بحركة التاريخ أقرب إلي تمثيل المجموع.
وهم يعتبون أحيانًا، وربما يغضبون، لكنهم تحت كل الظروف لا يسمحون - ولا يقدرون علي السماح - بقطيعة بينهم وبين السلطة، فذلك أكثر مما يحتملون وأكثر مما تحتمل الظروف.
* وأما التيارات (شحنات الفكر المتلفتة في كل اتجاه تشد معها «الإحساس العام») - فإن أصحابها بالتأكيد في الموقف الأصعب. لأنهم ليسوا ضد السلطة بالضرورة،
ثم إنهم ليسوا معها بالضرورة، بل هم معها في علاقة شد وجذب، هو نفسه حركة الصراع بين المصالح القائمة وبين المطلوب المشروع. وأهميتهم ليست فقط في أنهم العنصر المؤثر علي اتجاهات «الإحساس العام»، وإنما هم أيضًا - مع اختلاف الاتجاهات - أكثر العناصر تأثيرًا في حركة المجموعات (مشروعات أو محاولات أو طموحات التصدي للمصالح القائمة).
هذه هي ملامح الصورة السياسية العامة في معظم بلدان العالم الثالث - يا سيادة الرئيس - بدايتها أننا أمام مؤسسة قوية واحدة، وسلطة فعلية واحدة - هي مؤسسة وسلطة الرئاسة، وبالطبع فإن هذا الوضع ليس أبديا، وإنما هو وضع يتأثر كل يوم بحركة التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في أي بلد من البلدان.
وعلي وجه اليقين فإنه سوف تبرز أكثر في المستقبل، ومن داخل هذا الخليط، طبقات واضحة التكوين، بحيث يصبح لكل من هذه الطبقات تعبيرها السياسي عن نفسها وبالطبع عن مصالحها، ثم تتمكن هذه التعبيرات السياسية من أن تقيم مؤسسات للشرعية الدستورية والقانونية، تحل محل شرعية المؤسسة الواحدة.


- 2 -
وفي ظروف مصر - يا سيادة الرئيس - زيادة علي ما في ظروف غيرها من بلدان العالم الثالث - تكرست سلطة المؤسسة الواحدة، بل سلطة الرجل الواحد.
كان المجتمع المصري - منذ خمسة آلاف سنة - علي شكل الهرم، ولم يكن الهرم في الوجدان المصري مجرد شكل هندسي أو تكوين معماري، وإنما كان الهرم تصورًا أو تصويرًا لأوضاع المجتمع.
«الملك الإله» علي القمة - وكبار الأمراء وكبار الكهنة وكبار القواد وكبار الموظفين، وكلهم المسؤولون عن النيل والأرض والبركات(!) طبقة تحته - والمهندسون والإداريون والفنيون طبقة ثالثة تحت الطبقة الثانية - وتحت هؤلاء جميعًا قاعدة الهرم الضخمة، وفيها جموع المنتجين من الزُّراع والصُّناع - حياتهم علي النيل والأرض، وولاؤهم مضمون: بهيبة الملك الإله، وطقوس كبار الكهنة، وسلطة الحكام من كبار القواد والموظفين.
وقد قام هذا الهرم في مصر الفرعونية واستمر بعدها. والغريب - يا سيادة الرئيس - أن كل محاولات تحدي هذا الهرم لم تنجح إلي الآن، ولا بالثورة. وربما كانت الأزمة الحقيقية لمصر «الثورية» أن هذا الهرم بقي علي شكله العام رغم الحركة العنيفة صعودًا وهبوطًا علي درجاته، ورغم الصلة المباشرة التي تحققت في بعض الأوقات بين قمته وبين القاعدة.
ولعل تلك الحركة العنيفة كانت محاولة لاستباق التطور، ما لبثت سطوة الحقيقة - بصرف النظر عن حركة التاريخ - أن اعترضت سبيلها وأعادت الأمور إلي سيرتها الأولي، خصوصًا بعد أن ساعدت طوارئ الأحداث في المنطقة وفي العالم من حول مصر علي التواصل المباشر - حتي بوسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بين قمة الهرم وبين قاعدته.
وهكذا فإنه إذا كانت للسلطة في معظم بلدان العالم الثالث مؤسسة واحدة هي سلطة الرئاسة - فإن مصر علي وجه التحديد، تواجه المعضلة مضاعفة مرتين:
- مرة بظروف مراحل التطور التاريخي العام للشعوب والأمم.
- ومرة ثانية بخصوصية التاريخ المصري وطبائعه.
وإذا اتفقنا - يا سيادة الرئيس - علي أنها مؤسسة حقيقية واحدة، وسلطة فعلية واحدة، إذن فلمن غيرها نتوجه بالحديث؟
ولكي أكون صريحًا دون أن أتجاوز الحد أو الحق، فإني أعترف أنني لم أكن متحمسًا لتوجيه الحديث إلي غير مؤسسة الرئاسة، لأن الحديث مع غيرها في رأيي يعود بنا إلي أيام الإمبراطورية القديمة في اليابان، حين كان الأمراء يتلقون العلم في إحدي قاعات القصر،
ويجلسون وبجوار كل منهم واحد من أبناء عامة الناس، ويدخل المعلم إلي القاعة الملكية فلا ينظر إلي أبناء الأمراء ولا يلفت انتباه أحد منهم ولا يوجه نحوه لومًا بكلمة،
وإنما يوجه ملاحظاته - ولومه - وعقابه - إلي الفتي الجالس بجوار الأمير من أبناء الشعب، وليفهم الأمير ما يفهم وينتبه إلي ما يحلو له أن ينتبه إليه، لأنه في كل الأحوال محصَّن فوق التوجيه بالكلمة أو النظرة - فضلاً عن العقاب!
ولكي أكون منصفًا، فإن مصر الحديثة شهدت فترة سماح عابرة تواجدت فيها علي قمة الهرم المصري سلطتان، وتلك هي فترة ثنائية السلطة بين القصر الملكي (شكليا)، وبين الاحتلال البريطاني (واقعيا).
وإذا أخذنا بداية تاريخ مصر الحديث بمحمد علي، فقد كان «محمد علي» وحده علي قمة الهرم، ولي النعم، وذلك وصف جديد للملك الإله.
وإذا أخذنا بداية تاريخ مصر الحديث بالاحتلال البريطاني، فقد كان «كرومر» وحده علي قمة الهرم معتمدًا ساميا، ومن اللورد «كرومر» (المعتمد البريطاني في مصر أواخر القرن التاسع عشر)، وحتي اللورد «كيلرن» (المندوب السامي البريطاني حتي أواسط القرن العشرين) لم تتغير الصورة شكلاً وواقعًا. وفي كل الأحوال فقد انتهت هذه الثنائية بسقوط الملكية، وإنهاء الاحتلال بعد الثورة المصرية سنة 1952.
وبانتهاء هذه الثنائية تأكدت مرة أخري - شكلاً وواقعًا - قاعدة المؤسسة الواحدة والسلطة الواحدة علي قمة الهرم المصري: ظروف التطور في العالم الثالث تزكيها - وخصوصية التاريخ المصري تؤكدها!
هكذا كان عصر «جمال عبدالناصر»، وهكذا كان عصر «أنور السادات» بعده.
ولقد أزعم - يا سيادة الرئيس - ومن منظور رؤيتي، وقد يكون صواباً أو خطأ ما أراه، أن مؤسسة الرئاسة وسلطتها في عصر «جمال عبدالناصر» كانت لها استجابة معينة لاتجاه التاريخ وضروراته وتدفقه المتحرك دوما.
وبنفس المنطق فإن مؤسسة الرئاسة وسلطتها في عصر «أنور السادات» كانت لها استجابة أخري للتاريخ، لكنه في الحالتين - في العصرين - لم تكن هناك غير مؤسسة واحدة وسلطة واحدة، وكل ما عدا ذلك من أشكال وأدوات وحتي واجهات.
وبالطبع فإن كليهما - «عبدالناصر» أو «السادات» - لم يمارس سلطته في فراغ، وإنما مارس هذه السلطة في واقع رآه، وعلي ضوء تحليل للعالم الواسع قدّره، وفي مساحة حوله لها تفاعلاتها الجارية في المجتمع بين القوي الممثلة لأصحاب المصالح القائمة، والمجموعات الممثلة للمشروعات «النشطة» والتيارات المتأثرة والمؤثرة في نفس الوقت.
ومع ذلك فهي في نهاية المطاف مؤسسة واحدة وسلطة واحدة، ومنها يصدر القرار، ومن القمة ينزل إلي ما تحتها.
قاعدة لم تتغير مهما كان نوع القرار، سواء كان اختيار رجل لمهمة، أو تحديد مسار اجتماعي، أو سياسي أو دولي.
* وعلي سبيل المثال فإن رجلا فاضلا في حد ذاته وكفئاً - كالمهندس «صدقي سليمان» - أصبح رئيسا للوزراء في عصر «عبدالناصر» باختيار شخصي منه، مع ملاحظة أن «صدقي» لم تكن له سابقة عمل سياسي، وإنما كانت له تجربة تنفيذية هي الإشراف علي بناء السد العالي، وبعدها اختاره «جمال عبدالناصر» ليرأس الوزارة. وفي صميم الموضوع فإن «صدقي سليمان» لم يكن يمثل - سياسيا - ما هو أكثر من الاختيار الشخصي لجمال عبدالناصر.
وعلي سبيل المثال أيضا فإن رجلا مؤتمنا وموثوقا - كالسيد «ممدوح سالم» - أصبح رئيسا للوزراء في عصر «أنور السادات» باختيار شخصي منه، ولم تكن لممدوح سالم - هو الآخر - سابقة عمل سياسي - وإنما كانت له تجربة مطمئنة في مجال حفظ الأمن، واختاره «أنور السادات» ولم يكن «ممدوح سالم» يمثل - سياسيا - ما هو أكثر من الاختيار الشخصي لأنور السادات.
والقياس سليم بعد ذلك إلي آخر المطاف.
وإذا تركنا مجال اختيار الرجال للمهام، وانتقلنا إلي مجال تحديد المسارات الاجتماعية أو السياسية أو التنفيذية، فإن نفس القاعدة تظل سارية المفعول.
كان تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، والتوجه القومي العربي والتحول الاشتراكي، وصيغة تحالف قوي الشعب العامل - اختيارات لجمال عبدالناصر من واقع رؤيته.
وكانت قرارات أكتوبر 1973، والتوجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية والصلح مع إسرائيل، وسياسة الانفتاح - اختيارات لأنور السادات ومن واقع رؤيته.
ويلفت النظر - يا سيادة الرئيس - أن الأدوات التي نفذت هذه السياسات والقرارات المتباينة، كانت نفس الأدوات، أي أجهزة السلطة.
ويلفت النظر أكثر - يا سيادة الرئيس - أن التنظيمات الواجهات التي قامت علي تنفيذ هذه السياسات وتولت مسؤولية القرارات المتباينة لها - نفس التنظيمات تقريبا، بل نفس الوجوه حصرا - لأن غالبية الذين كانوا في صفوف الاتحاد الاشتراكي هم الذين انتقلوا منه إلي صفوف حزب مصر، وهم الذين انتقلوا منه إلي صفوف الحزب الوطني، والسبب واضح، فقد كانوا هم ممثلي القوي «أصحاب المصالح القائمة» القريبين من كل سلطة - أي سلطة - بحكم الحرص علي حماية المصالح، والرغبة في التأثير إلي أقصي الممكن.
وأليس ملفتا للنظر أكثر من ذلك أنه حتي أحزاب المعارضة وقتها «وحتي الآن» بدأت وجودها ونشاطها بقرار رئاسي؟
لقد كان الرئيس «السادات» هو صاحب قرار المنابر، بل اختار لهذه المنابر - اليمين والوسط واليسار - رؤساءها. وكان هو أيضا صاحب قرار تحويل المنابر إلي أحزاب وبنفس الرؤساء الذين اختارهم، وليكن أن التجربة العملية طورت الممارسات - فإن ذلك لا يغير نسب الأبوة ولا شهادة الميلاد!
ماذا أقول - يا سيادة الرئيس - هل أقول إنه حتي القانون نفسه أصبح قرارا واختيارا: قانون «حل الأحزاب» في عصر «عبدالناصر» - «إنشاء المنابر» في عصر «أنور السادات» - مجرد مثالين!
عبد الناصر والسادات أكدا قاعدة المؤسسة الواحدة والسلطة الواحدة علي قمة الهرم المصري.. منها يصدر القرار ومن القمة ينزل إلي ما تحتها

17/1/2008
[ جمال عبدالناصر مع مبارك وجمال سالم في كلية الطيران - بلبيس]
جمال عبدالناصر مع مبارك وجمال سالم في كلية الطيران - بلبيس

ـ 3 ـ
وأكثر من ذلك - يا سيادة الرئيس - فإنكم جئتم إلي مؤسسة الرئاسة بعد مأساة في تاريخ مصر لم يسبق لها مثيل، فلقد كانت تلك هي المرة الأولي في التاريخ التي قام فيها واحد من أفراد الشعب المصري عند القاعدة، بقتل الملك الإله الجالس علي قمة الهرم.
ولقد يختلف الناس من هنا وإلي الأبد في تفسير وتعليل تلك المأساة غير المسبوقة في تاريخ مصر:
* قد يري البعض أن ما جري كان كارثة شباب، جرفه التطرف إلي العنف، وقاده العنف إلي القتل، ومن ثم فهي حادثة وليست حدثاً.
* وقد يري البعض أن ما جري كان مأزق رئيس خانه حلفاؤه أو خانته سياساته، ومن ثم فقد دفع حياته ثمناً للذين خانوه!
* وقد يري البعض أن ما جري كان إعلاناً بفشل سياسات قمع وصلت إلي طريق مسدود، ولم يبق سبيل لفتحه غير العنف، ومن ثم فإن القضية أكبر وأخطر.
إن التفسيرات مهمة - يا سيادة الرئيس - لأن اختلافها يعكس تبايناً وتضارباً ورؤي.
هناك من يريحهم النظر إلي الحدث علي أنه حادثة، يعالجها البوليس - وبعده التحقيقات والأحكام وتنفيذ الأحكام.
وأرجح الظنون أن تلك رؤية قاصرة للتاريخ، لم تتعلم من تجاربه، ولهذا حكم عليها بأن تعيش نفس التجارب مرة أخري. لم تتعلم من حريق القاهرة في يناير 1952، فحكم عليها أن تراه مكرراً في أحداث يناير 1977. ولم تتعلم من أحداث يناير فعاشتها مكثفة علي المنصة في أكتروبر 1981م.
والغالب أن أصحاب هذه الرؤية هم في العادة القوي صاحبة المصالح القائمة، يناسب أحلامهم، أو لعلها أوهامهم - أن مواقف الخطر الكبري، مجرد كوابيس أطبقت عليهم في الليل، فإذا طلع النهار كان خيراً أن ينسوها وأن ينصرفوا إلي ما يهمهم، خصوصاً ذلك السباق الكبير الذي يرمحون فيه دون أن يسألوا أنفسهم ذلك السؤال البسيط: إلي أين بالضبط؟
إن التفسير البوليسي للتاريخ وأحداثه سهل، والمنطق الذي يغري به ينسجم مع الهوي - لكن الركون إلي مثل هذا التفسير - كما تعلمنا التجارب - أقرب منزلق إلي الهاوية.
وعلي أي حال، فإنه مهما اختلفت التفسيرات، فإن الظاهرة التي لا تحتمل خلافاً هي أن الشعب المصري فتح لكم قلبه من أول ثانية، وصنع لكم بخياله وبآماله صورة علقها علي مستقبله، أو لعله علق مستقبله عليها.
ففي لحظة من التاريخ مشحونة بالخطر معبأة بالقلق - أعطاكم الشعب المصري تفويضاً لم يحقق انتقال السلطة فقط، وإنما أضاف إلي انتقال السلطة بسهولة - شرعية استعمالها بسرعة.
وعملياً فإن انتقال السلطة تم بواسطة جهاز الدولة - وفيه القوات المسلحة للدولة - ذلك أنه عندما انجلي الغبار والدخان عن المنصة، فقد ظهر أنه يواصل دقاته بانتظام - وعليه فإن عملية انتقال السلطة أصبحت تحصيل حاصل.
ولم يكن عدد الأصوات في صناديق الاستفتاء هو الذي أسبغ الشرعية علي عملية انتقال السلطة - فكم شهدت مصر من استفتاءات، وإنما كان الجو العام الذي جري فيه الاستفتاء - جو الرغبات والآمال - هو المصدر الأكبر للشرعية، والسند القوي لهذه الشرعية.
هكذا أصبحت في أيديكم سلطة القرار والاختيار. فإذا كان هناك رجال مكلفون بمهام - فالقرار عنكم والاختيار منكم. وإذا كان هناك تحديد لمسارات سياسية أو اجتماعية أو دولية - فالقرار أيضاً من عندكم والاختيار أيضاً.
* * *
يظل هناك سبب آخر - غير كل أسباب الموضوع في توجيه الحديث لكم وليس لغيركم - وهو الشكل. والشكل في بعض الأحيان حقيقة لها قوة الموضوع تماماً، وذلك أننا تحت نظام رئاسي، ولسنا تحت نظام ملكي، أي أننا لسنا في مواجهة «الحكومة المخلصة لصاحب الجلالة الملك» أو «المعارضة الوفية لصاحب الجلالة الملك»، وإنما نظامنا علي نحو ما رئاسي (وأقول علي نحو ما لأن الرئاسة عندنا التبست بمظاهر سلطانية لا لزوم لها).
وعلي سبيل المثال، ففي الولايات المتحدة الأمريكية - والحكم فيها رئاسي - يتحدث الناس عن السياسة الاقتصادية لـ: «رونالد ريجان»، وعن السياسة الخارجية لرونالد ريجان، بل وعن مشروع «ريجان» لحل أزمة الشرق الأوسط.
و«ريجان» هو الذي تُقاس شعبيته كل أسبوع باستفتاءات الرأي العام وليس وزراؤه، حتي إن كانوا هم الذين يشيرون عليه بسياساته الاقتصادية أو الخارجية، أو مشروعاته لحل أزمة الشرق الأوسط أو غيرها من الأزمات.
ومع أن النظام الرئاسي في الولايات المتحدة محفوف ومحصن بموازين وضوابط - وضعتها تجربة ديمقراطية تستحق الإعجاب والاحترام - إلا أن الرئيس يبقي هو المسؤول الأول ويظل الآخرون في السلطة مجرد مساعدين له، يتحملون المسؤولية أمامه (وأمام الكونجرس في بعض الحالات)، لكن الرئيس هو رمز السلطة، وقمة النظام، وعليه المسؤولية - كاملة - أمام الشعب.
وإذا كان ذلك كله صحيحاً - يا سيادة الرئيس - وأظن أنه صحيح - إذن فلمن غيرك نتوجه بالحديث؟
هي إذن وزارتك - وهو حزبك - وهي مجالسك للشعب وللشوري.
وقد يكون علي رأسها جميعاً أساتذة أجلاء في الطب والقانون والجغرافيا، ورجال ونساء لهم نصيب في العمل العام - لكنهم جميعاً في النهاية لا يمثلون سياسياً إلا ما أعطيتهم من سلطة وما كلفتهم من أمر.
بمعني أن جميع الأشكال - وما وراءها - تستمد بقاءها من التفويض الذي أعطي لك ولم يعط لسواك، وعليه فكل ما ينشأ بعد ذلك قرارك واختيارك، سواء كان القرار أو الخيار مؤقتاً لدواعي الاستمرار، أو باقياً بدعوي الاستقرار.
تلك محاولتي للإجابة عن سؤال اعتراضي سألته لنفسي وربما يسألني فيه غيري، وقد طالت إجابتي عنه، ولكنها كانت ضرورية.
والآن وبعد أن فرغت منها - وجب أن أعود إلي موضوعي الأصلي، وهو بقية أسبابي في تأييدك، واستمرار هذا التأييد باقياً حتي هذه اللحظة.
* * *
لقد عددت - يا سيادة الرئيس - سببين من أسبابي في تأييدك أكررهما تذكيراً وجسراً لاتصال الحديث:
1- سجلك في الخدمة العامة.
2- حقيقة أنك لست مديناً لأحد.
وأصل إلي السبب الثالث من أسبابي في تأييدك - يا سيادة الرئيس.
هذا السبب الثالث هو أنني أعرف - لسوء الحظ - شيئاً عن حقائق الأوضاع التي آلت إليكم شؤونها وشجونها، أعرف حقيقة التركة التي ورثتموها وأصبحت أمانة. عليكم مسؤوليتها أمام التاريخ والناس.
إن تعبير «التركة» - كما تذكرون - مُستعار من قاموس الرئيس «السادات».
وكان - يرحمه الله - كثيراً ما يردد القول بأنه ورث عن «عبدالناصر» تركة ثقيلة - ولعلكم تأذنون لي أن أختلف معه - ولقد اختلفت معه في حياته وسلطته، ولم أنتظر الموت والقبر لكي يحررا عقدة لساني.
ما سوف أقوله الآن قلته وكتبته ونشرته والرئيس «السادات» علي القمة وفي يده القرار والخيار، بل إنني سجلت بعضه في وثيقة رسمية هي محاضر التحقيق الذي أجراه المدعي الاشتراكي معي حين أحلت إليه سنة 1978،
وقد نشرت محاضر هذا التحقيق كاملاً في كتاب عنوانه «وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي» وكان ذلك سنة 1979، والرئيس «السادات» علي قمة السلطة، وملء السمع والبصر.
ولقد كان ما قلته - قبل وأثناء وبعد التحقيق - هو الذي انتهي بي إلي السجن. ولعلي من هنا لا أشعر أنني أتجني أو أتطاول علي رجل أو علي ذكري.ـ إذا عدت أكرره الآن.
إن الرئيس «السادات» ورث عن «جمال عبدالناصر» منجزات داخلية كبيرة بينها تأميم السويس، وبناء السد العالي، وإقامة قطاع عام صناعي ضخم وقادر، وإجراء تحولات اجتماعية بالغة الأثر، إلي جانب سياسة عربية ودولية وضعت مصر في مكانها اللائق في قلب الأمة ووسط العالم،
علي أنه من الإنصاف أن يقال - في نفس الوقت - إن «أنور السادات» ورث عن «جمال عبدالناصر» نتائج معركة قاسية سنة 1967، وضرورة معركة قادمة، وأن ذلك كان أثقل البنود في تركة «عبدالناصر» وأخطر السلبيات في تجربته.
وأتذكر - يا سيادة الرئيس - أنني لخصت رأيي في سلبيات التجربة الناصرية، وكان «جمال عبدالناصر» لايزال بيننا وعلي القمة - في نقطتين:
ـ استعمال السلطة بأكثر مما هو ضروري في الداخل.
ـ واستعمال القوة بأكثر مما هو مناسب في الخارج.
وعليه فقد كان رأيي - ولايزال - أن التجربة الناصرية تأخرت في حل مشكلة الحرية السياسية في وطنها، ثم إنها تسرعت في الدخول إلي مصيدة الحرب في ظروف غير ملائمة.
علي أن الإنصاف يقتضي وضع نكسة سنة 1967، في حدودها دون تعميم يريد أصحابه ترسيخ الشعور بالهزيمة إلي أعماق الأعماق، وحتي تفقد مصر وتفقد الأمة إيمانها بنفسها وقدرتها، مع أنه لا يصح لأحد أن يتهاون في مسؤولية ما جري سنة 1967 - ولا حتي أن يحولها إلي نهاية لكل شيء في ثورة يوليو 1952، إلا أن كل مرحلة تاريخية تجربة لها سلبياتها ولها إيجابياتها، وكانت محنة سنة 1967 هزيمة معركة ضمن حرب مستمرة، لكن الإرادة المصرية لم تستسلم بعدها،
وإنما واصلت القتال، ونُفِّذَت تحت قيادة «أنور السادات» سنة 1973، خطة صدَّق عليها «جمال عبدالناصر» سنة 1970، باسم «جرانيت رقم (1)»، والمدهش أن الصراع ظل متصلاً - برغم كل حكايات السلام - وأقرب شاهد علي ذلك تصريحات لها معناها ومغزاها صدرت أخيراً عن المشير «عبدالحليم أبوغزالة».
وهكذا فإن فصل سنة 1967 - كان حلقة من سلسلة، وموجة من موجات، وجزءاً من أعباء مسؤولية تتصل اتصالاً وثيقاً بمقادير مصر.
وفي إطار تركة «عبدالناصر»، فقد كان وضع مصر الاقتصادي وبرغم كل الأعباء - متماسكاً.
بل إنه برغم النكسة في معارك سنة 1967 - فإن اقتصاد مصر ظل قادراً علي تحمل ثلاث مسؤوليات اجتماعية وسياسية واقتصادية متوازية وفي نفس الوقت:
1 - إعادة تسليح الجيش للحرب المستمرة واستعداداً للتحرير.
2 - إتمام بناء مشروعات ثلاثة ضخمة (السد العالي - مجمع الحديد والصلب - مجمع الألمنيوم).
3 - تثبيت الأسعار لكي تكون الحياة محتملة بالنسبة للسواد الأعظم من الناس.
ولم تكن مصر تحصل علي معونات عربية غير دعم الخرطوم المحدود بعد سنة 1967.
ولم تكن مصر تنتظر مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة، بل إنها علي العكس كانت رهن قيود وصلت أحياناً إلي درجة الحصار، وكانت مصر أبعد ما تكون عن تلك التسهيلات المالية الهائلة التي جاءتها - لاحقاً - من قريب ومن بعيد!
ومع ذلك فقد كانت ديون مصر الخارجية المدنية والعسكرية جميعها - ومعظمها للاتحاد السوفيتي - في حدود ثلاثة بلايين دولار، تنقص عن ذلك ولا تزيد.
وحتي بعد حرب أكتوبر، فإن الموقف الاقتصادي ظل معقولاً، ويشهد بذلك التقرير الكبير الذي كتبه الدكتور «عبدالعزيز حجازي» رئيس الوزراء في مارس سنة 1975، وهو تقرير أعطاه لي الرئيس «السادات» دون أن يقرأه، وقد قرأته، ومازلت أحتفظ به، وهو تحت تصرفكم إذا شئتم أبعث به إليكم.
ولم تكن مصر مستعمرة سوفيتية - يا سيادة الرئيس - كما يزعم بعض ذوي الهوي.
كان في يد مصر سلاح سوفيتي هي التي أرادته وسعت إليه، وكان عندها خبراء من الاتحاد السوفيتي هي التي وظَّفتهم لخدمة معركتها مع إسرائيل - وهؤلاء الخبراء السوفيت لم يتدخلوا في غير نطاق عملهم، وهذه شهادة لله وحده، وربما تجاوز واحد منهم أو تجاوز اثنان - لكن مصر كانت دائماً في وضع يسمح لها بأن تقول لمن تشاء منهم: «اذهب»، ثم لا يكون أمامه إلا الذهاب.
ولقد أستأذنكم - يا سيادة الرئيس - في تذكير هؤلاء الذين يتحدثون عن مصر المستعمرة السوفيتية، بأن الزيادة الكبيرة التي طرأت علي أعداد الخبراء السوفيت بعد يناير 1970 كانت بطلب منا، فقد حملناهم مسؤولية الدفاع عن العمق المصري، في وقت كانت قوات الدفاع الجوي المصري تركز جهدها بالكامل علي حماية الجبهة العسكرية،
وكان ذلك ترتيباً مؤقتاً لاجتياز عنق الزجاجة، ففي ذلك الوقت - وأنتم خير من يعرف - كانت لدينا أعداد هائلة من الشباب يتدربون في الاتحاد السوفيتي علي أنواع جديدة من الطائرات والصواريخ المتطورة - وحتي يعود هؤلاء ويتحملوا مسؤولياتهم في عمق الوطن - فقد قبل السوفيت أن يتولوا مهمة حماية العمق فترة «عنق الزجاجة».
وأليس محزناً أن نشهِّر بهم لهذا الذي فعلوه معنا في لحظة حرجة كانت إسرائيل فيها - وبالطائرة الفانتوم - تنفذ في أجوائنا لكي تضرب المرافق الحيوية والبيوت والنساء والأطفال؟
لقد كنت هناك بنفسي - يا سيادة الرئيس - واحداً من الذين حضروا مع «جمال عبدالناصر» اجتماعات موسكو السرية في يناير 1970، ولقد رأيت وسمعت كيف كان تردد القادة السوفيت إزاء احتمالات تواجد عسكري لهم في مصر، كانوا يرون هذه الخطوة خطراً علي موازين القوي العالمية، وقد جازفوا وقبلوا تحت إلحاحنا، وإن اشترطوا - يا سيادة الرئيس - هم الذين اشترطوا - أن يخرج خبراؤهم من مصر قبل المعارك، حتي لا تكون هناك ذرائع للقوة الأعظم الثانية لتتدخل مع إسرائيل.
يومها - يا سيادة الرئيس - وهناك شهود أحياء علي الواقعة - أتذكر أن الزعيم السوفيتي السابق «ليونيد بريجنيف» ترك مقعده علي رئاسة الوفد السوفيتي، وجاء وراء مقعدي وكنت منهمكا في متابعة ما أراه أمامي، وأحسست بمن يربت علي كتفي، والتفت وإذا به «بريجنيف» وهممت للقيام بسرعة، وضغط علي كتفي يبقيني علي مقعدي، ويقولي لي:
«إننا اتخذنا اليوم قراراً خطيراً لم يسبق لنا اتخاذ مثله علي الإطلاق، لكن أزمة الشرق الأوسط وأمن مصر وسلامة شعبها تعنينا، وهناك قضية سوف أعتبرك مسؤولاً عنها، وهي قضية مواجهة الحملة الخارجية في حالة ما إذا تسرب سر القرار الذي اتخذناه اليوم، أنت تعرف صحافة الغرب، وهم كثيراً ما ينقلون عنك ما تكتب».
إلي هذا الحد - يا سيادة الرئيس - كان تخوفهم مما دعوناهم إليه، وهم بالطبيعة أبعد الناس عن المغامرة، بل لعل أكبر عيوبهم أن حبالهم طويلة، وأنهم علي استعداد للانتظار حتي تنضج عوامل صنع التغيير التاريخي وفق عقائدهم.
أقول هذا - يا سيادة الرئيس - للإنصاف، وأقوله أيضاً عارفاً أن شعب مصر كريم الأخلاق ووفي، وليس ذنبه أن البعض حاولوا التعبير عنه بأسلوب لم يكن هناك ما يدعو إليه، وأليس غريباً - يا سيادة الرئيس - ما رأيناه حين أقلعت طائرتنا إلي الحرب في أكتوبر ومعنا الاتحاد السوفيتي، وهبطت طائرتنا بعد الحرب وإذا معنا الولايات المتحدة الأمريكية، أي أنه سلاح سوفيتي (لحماية العرب)، وبعده حل أمريكي (لحماية إسرائيل)!
أقول ذلك - يا سيادة الرئيس - وأنا لست شيوعياً بالطبع وبالقطع، ولكني أقوله كمواطن مصري وكقومي عربي، ذلك أنه من قبيل المصائب أن لا نعرف كيف نفرق بين من ساعدنا وبين من ساعد عدونا، ثم إنه من قبيل المصائب أيضاً!
أن نجد بيننا من يرددون - منافسة للببغاوات - ما كان يقوله أعداؤنا عنا ضمن حربهم النفسية ضدنا!!
استعمار سوفيتي؟!
أي استعمار ذلك الذي ينتهي باستدعاء سفير - كما فعل الرئيس «السادات» يوم 8 يوليو 1972 مع السفير السوفيتي «فلاديمير فينوجرادوف» - ليقول له: اسحبوا جميع خبرائكم من عندي في ظرف عشرة أيام. ويعود السفير في اليوم التالي برد من حكومته، مؤداه أن «سحب الخبراء سوف يتم في أسبوع واحد لا أكثر»، ثم يحدث ذلك فعلاً.
أي نوع من الاستعمار هذا - يا سيادة الرئيس؟
لست أنكر أن الاتحاد السوفيتي قوة عظمي، ولها أهدافها، ولكني أزعم أن مصر أخذت من الاتحاد السوفيتي ما أرادت، ولم تعط للاتحاد السوفيتي ما أراد.
كان هدف الاتحاد السوفيتي إخراج النفوذ الغربي من الشرق الأوسط، وتصادف ذلك مع هوانا، لأن ذلك نفسه كان هدفنا.
وربما كان مُني الاتحاد السوفيتي أن يحل نفوذه محل نفوذ الغرب في منطقتنا، ولكننا لم نمكنه، ثم إن بعده الجغرافي عن حدودنا، إلي جانب موازين القوي الحساسة في المنطقة - أعطتنا حرية في مواجهته، لم يكن لغيرنا مثلها في أي بقعة أخري من العالم.
يبقي - يا سيادة الرئيس - أننا حققنا كل ما حققناه - في ميادين القتال - برجالنا، هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً أنه لم يكن في يدنا غير السلاح السوفيتي.
وكانت مصر قوة عربية ودولية - ليس في ذلك شك - يا سيادة الرئيس.
ولست أجادل في أن النكسة العسكرية سنة 1967 كانت في ناحية منها إصابة لهيبة لمصر، لكن مصر راحت تستعيد مكانتها يوماً بعد يوم عندما أدرك الكل أن جزءاً من أراضيها وقع تحت الاحتلال، ولكن كل إرادتها ظلت لها، فلم ترغمها الصدمة علي توقيع وثيقة، وإنما دفعتها الصدمة إلي استجماع عناصر الفعل، واستنهاض همة الأمة،
والعودة فوراً إلي ميادين القتال: بمعارك المدافع، ومعارك العبور، ومعارك الطيران والصواريخ، مما أطلقنا عليه وصف حرب الاستنزاف، وما تحول بعد ذلك وتطور فأصبح الخطة «جرانيت 1»، التي تحولت وتطورت إلي «خطة بدر» التي نسميها الآن «حرب أكتوبر».
ويبقي آخر يوم من حياة «جمال عبدالناصر» شاهداً لا يكذب علي مكانة مصر العربية والدولية.
وربما قرأتم - يا سيادة الرئيس - في الأسبوع الماضي رسالة لمراسل «نيويورك تيمس» في الشرق الأوسط «توماس فريدمان»، جاء فيها قوله:
«إن العالم العربي مختلف الآن عما كان عليه سنة 1970، لقد اختفي «ناصر» الذي كان من القاهرة يأمر الآخرين في العالم العربي أن يجيئوا إليه، فلا يكون أمامهم خيار غير أن يجيئوا».
لقد بالغ «فريدمان» - يا سيادة الرئيس - فلم يكن «جمال عبدالناصر» يملك سلطة أمر علي غيره، ولكن مصر كانت تملك جزءاً مؤثراً من «شرعية» القرار العربي بكل ما يعنيه ذلك إقليمياً وعالمياً.
وأزعم - يا سيادة الرئيس - أن مصر في وقت «جمال عبد الناصر» لم يكن فيها «رشاد عثمان»، ولا «توفيق عبدالحي»، ولا عشرات غيرهما سوف يظهر أمرهم، وكل واحد فيهم قضية تكفي لإنهاء عهد، بقدر ما كانت قضية «ووترجيت» كافية لإسقاط عهد «ريتشارد نيكسون» وإخراجه من البيت الأبيض.
لا أدعي العصمة للبشر، وربما كان هناك ما لا أعلمه.
لكني أعلم يقيناً أن «جمال عبدالناصر» كان فوق الشبهات. أعلم يقيناً أن مصر استعادت قناة السويس فاستردت كرامة، وتملكت مورداً، كان ولا يزال أهم مواردها وأكبر أرصدتها، وهي في ذلك لم ترش أحداً وإنما بذلت دماً.
وأعلم يقيناً أن السد العالي - واحد من أضخم مشروعات العصر - تم بناؤه دون سحابة أو غمامة شك.
وأعلم أن برنامجاً هائلاً للتصنيع - لم يكن له مثيل في أي واحدة من بلدان العالم الثالث كله - جري تخطيطه وتنفيذه دون مظنة شبهة أو تهمة.
ولست أريد - علم الله - أن أعقد مقارنة بين عهدين، فتلك قضية لا داعي لها، وفي بعض الأحوال فلسنا نحن حكامها، وإنما الحكم هو التاريخ، بالإضافة إلي أن مثل هذه المقارنات عقيمة لا تريد مصر أن تسمعها ولا تملك وقتاً تضيعه فيها، ولعلي أقول إن مصر تريد اليوم أن تسمع سؤالاً واحداً، وليس سؤالين:
ليكن ما كان، ما هو العمل الآن، ماذا عن المستقبل، وإلي أين من هنا؟
هذا لب الموضوع هذه اللحظة، وذلك جوهر التحدي.
هناك سبب رابع من أسبابي في تأييدك - يا سيادة الرئيس - وهو أنني واحد من الذين يتمنون لكم قلبياً أن تنجحوا، ليس فقط لأنكم «وطني، كفء، لديه ملكة القيادة»، ثم إن الظروف ألقت علي أكتافه بالحمل الثقيل - ولكن أيضاً لأن مصر لا تستطيع أن تتحمل - لا سمح الله ولا قدر - تبعات وعواقب أن لا تنجحوا، لسبب واضح، هو أن الخطر علي المستقبل يتأكد حين تصبح أعصاب الأمة وطاقاتها ومواردها مشدودة علي الآخر، أو تصبح صحتها علي غير ما يرام.
لقد قبلت هذه الأمة بتحديات كبري، وقامت علي إنجازات ضخمة، ورعت مسؤوليات جساماً، ثم تحملت أعباء نكسة مؤلمة، ودفعت تكاليف نصر غال، ثم رأت غنائم النصر تخرج من حوزتها وتسلب من أصحابها لتعطي لمن لم يساهموا في صنعها، ومنيت بالوعود وقنعت بالآمال، ثم همت بالغضب وإذا بحق الغضب ذاته ينتزع منها.
لا أفيض في هذه النقطة ولا أفصل، لكني - يا سيادة الرئيس - أقول لكم بأمانة: «إن النار تحت الرماد».
* * *
ويجيء الدور أخيراً علي سبب خامس وأمره بالغ الخطورة، ولعله أيضاً شديد الحساسية.
إنني - يا سيادة الرئيس - واحد من الذين يخشون أن انتقال السلطة إليكم ربما يكون آخر انتقال هادئ للسلطة يمكن أن تشهده مصر - إذا لم نفهم - وإذا لم نبدأ.
لقد كان مشهد المنصة درامياً، ولكننا ينبغي أن نفصل مشهد المنصة عن مشهد الانتقال.
والحقيقة أن ترتيب انتقال السلطة إليكم كان آخر نفس عميق - ربما - في جهاز حكم أصبح مرهقاً ومثقلاً ولم يعد قادراً إلا بمعجزة علي أن يصلب عوده، مجرد أن يصلب عوده ويقف.
هذا الجهاز - وقد كان من أهم ظواهر الحياة في مصر طوال تاريخها وبسبب طبيعتها - كما كان طوال عمرها واحداً من أهم عوامل استمرار الحياة العادية فيها - عدَّت عليه عوادي الزمان، وأرهقته تقلبات الأيام، بل تكاد تفرغه من خيرة عناصره ومن المحركات الدافعة لسيره، ومن الضوابط التي تنظم دوران تروسه.
ثم إن جيلنا - يا سيادة الرئيس - عاش ليري انقلاباً يتحول إلي ثورة، وكان هذا يوماً عظيماً في تاريخ مصر، لكن جيلنا - وكل جيل بعده - ليس بين أحلامه أن يعيش ليري الثورة تتراجع لتعود انقلاباً.
* * *

سيادة الرئيس
شرحت أمامك أسبابي
لماذا أيدت، ولماذا آثرت الصمت، تاركاً تأييدي لك كآخر موقف مسجل، وآخر موقف أتحمل مسؤوليته حتي هذه اللحظة.
وقاكم الله ووقي مصر، ورد عنكما كل مكروه.
لكن الصلوات ليست وحدها طريق الأماني، أو ليست وحدها طريق تحقيق الأماني.
وهكذا أسأل نفسي:
وماذا بعد؟

0 تعليقات

إرسال تعليق