اســتـــراحــة الـمحــارب

استراحة عقلية و فكرية لمحارب.. فى دنيا الله .. يبحث عن الحكمة ..

من أنا

صورتي
رحالة فى دنيا الله .. من أرض الى أرض .. اسمع و انصت ... و اعقل ..لعلى اعتبر أبحث عن الحكمة .. فأين أجدها؟

زوار الاستراحة

المتابعون

ابحث فى الاستراحة

بحث مخصص

الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل: «المقال الثانى» أسباب للتأييد .. وأسباب للصمت
17/1/2008

كل نظام جديد - في أي وطن من الأوطان - يطلب لنفسه، وتقبل منه جماهيره «فترة سماح» تتيح له فرصة الإمساك بالخطوط، وإعادة التقدير واستكشاف البدائل، والتخطيط للمسؤولية، ومن ثم يبدأ وفاؤه بما تعلق به من آمال، هي في الواقع نوع من «الرهان» علي المستقبل.
وتختلف فترة السماح من وطن إلي آخر وفق ظروفه، ففي الولايات المتحدة مثلاً - وفي أوروبا كذلك - تكون «فترة السماح» لأي نظام أو أي رئيس هي «الأيام المائة الأولي»، وبعدها - وليس قبلها - يبدأ الناس في السؤال عن: ماذا؟ - كيف؟ - ومتي؟
وفي العالم الثالث فإن فترة السماح تمتد في الغالب - سنة - خصوصًا إذا كان العهد الجديد قد وصل إلي مواقع الحكم من خلال مفاجآت وتقلصات غير عادية، بحيث يصبح عدلاً أن تطول فترة السماح.

وكان هذا المقال - الثاني - في هذه المجموعة من ستة - بعد سنة كاملة من رئاسة «حسني مبارك»، وبداية للسؤال عن: ماذا؟ - كيف؟ - ومتي؟

نوفمبر 1982
سيادة الرئيس:
في جزء سبق من هذه الرسالة التي أتوجه بها إليكم بعد عام من تأييد طوعي لكم، ثم صمت ألزمت به نفسي ولم يلزمني به أحد - عددت أمامكم دوافعي للموقفين:
* ما كان - أو لم يكن - من أسبابي للصمت.
* ما كان - ولا يزال - من أسبابي للتأييد.
وكنت قد فرغت من عرض أسباب الصمت، ثم انتقلت إلي أسباب التأييد، وعددت منها اثنين:

* أولهما: سجلك في الخدمة العامة، وملخصه بواقع الملف السري لخدمتكم: «وطني، كفء، لديه ملكة القيادة» - ثم تأكيد ذلك بمتابعة لدورك في أكتوبر 1973 - وبالتحديد لدور الطيران.

* وثانيهما: أنك لست مدينًا لأحد، و«أنهم أرادوك لهم، ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون». وكان دليلي علي ذلك قولكم لنا يوم خروجنا من الأسر إلي القصر: «أريد فتح صفحة جديدة في تاريخ مصر، أريد حوارًا مفتوحًا مع كل القوي الوطنية، أعطوني وقتًا لأفكر في خياراتي».

كانت هذه العبارات صدي عائدًا لما سمعه الشعب منكم، حين تقدمتم إليه تطلبون ثقته. وكنا نحن لا نزال وراء القضبان. ثم سمعنا منكم مباشرة ما سمعه الشعب قبلنا، وكما فهمت جموعه، فهمنا. وكان معني القول - والصدي - ببساطة أنكم بحس وطني مرهف تقدمون أنفسكم لشعبكم بهويتكم المستقلة، أول عهد وليس بقية عهد، ووصلت الإشارة والبشارة إلي الكل، وجاءوا جميعًا إليكم مطمئنين وراضين.
* * *
وفي هذا الجزء من هذه الرسالة - التي أستميحكم العذر في استرسالاتها واستطراداتها - فلقد كان المفروض - يا سيادة الرئيس - أن أستكمل بقية أسبابي لتأييدكم، وسوف أفعل.
لكن سؤالاً اعتراضيا يستوقفني، ولعله يستوقف غيري، وربما كان الأفضل أن أفرغ منه لينفسح الطريق إلي بقية الحديث.
السؤال الاعتراضي يقول:
«ولماذا التوجه بالحديث إليكم مباشرة؟».
وردي عليه مباشرة:
«ولمن غيركم نتوجه بالحديث؟».
وهذه - يا سيادة الرئيس - ليست صيغة مجاملة، وإنما محاولة لصياغة الحقيقة التي ينبغي أن نواجهها كما هي، وبدون تفلت للهرب منها سواء بالتجاهل أو بالتزويق!
وتساوي هذه الحقيقة أن أقف أمامها بما هو أكثر من صياغة عامة تحتويها جملة واحدة قلت فيها: «ولمن غيركم نتوجه بالحديث؟».
وإذا أذنتم لي بهذه الوقفة - يا سيادة الرئيس - فإني أفصل الأمر علي الوجه التالي:

- 1 -
في معظم بلدان العالم الثالث - وفي المرحلة الراهنة من تطورها الاقتصادي والاجتماعي، ومن ثم السياسي - فإن السلطة مؤسسة واحدة، هي رئاسة الدولة.
ولهذه المؤسسة الواحدة أدوات، كما أن من حولها قوي ومجموعات وتيارات.
- والأدوات تتمثل أساسًا في الجهاز الرسمي للحكم بفروعه المختلفة، ابتداء من حامل بندقية الأمن إلي حامل دفتر تحصيل الضرائب.
- وأما القوي والمجموعات والتيارات، فخليط يتفاعل مع بعضه، وحركة هذا التفاعل والفاعلية النسبية لأطرافه - هي التي تخلق المناخ العام الذي يجري فيه العمل الوطني في أي بلد من البلدان.
* وبصفة عامة فإن القوي عادة - هم أصحاب المصالح القائمة في المجتمع.
* وبصفة عامة أيضًا فإن المجموعات عادة - هي مشروعات (أو محاولات أو طموحات) تتصدي للمصالح القائمة.
* وبصفة عامة أخيرًا فإن التيارات عادة - هي شحنات الفكر المتلفتة إلي كل اتجاه، تفتش وتبحث عن مثال، وتشد معها إلي التفتيش والبحث جماهير يشكل اتجاهها مع هذا التيار أو ذلك ما يمكن تسميته بـ: «الإحساس العام». ولا أتجاسر - علي الواقع - فأسميه «الرأي العام»، لأن «الرأي العام» - في البلدان التي تسمح الظروف بظهوره وبتأثيره فيها - يستطيع أن يفرض، وأما «الإحساس العام» فإن أقصي ما يستطيع بلوغه أن يعارض - بمعني أدق يعرقل.
إن حركة التفاعل بين هذه العناصر كلها: مؤسسة الرئاسة الوحيدة، وأجهزة هذه المؤسسة، ثم خليط القوي والمجموعات والتيارات - حركة بالغة التعقيد في أوطان خرجت بالكاد من عصور التبعية تبحث لنفسها عن مكان في عالم أشبه ما يكون ببحور الظلمات التي تتحدث عنها حكايات السندباد.
وفي تحديد مواضع هذا الخليط علي الساحة، فإنه يمكن القول بشكل إجمالي ما يلي:
* القوي (أصحاب المصالح القائمة) - وهم باستمرار قرب السلطة لا يطيقون بعادًا عنها، لأن قربهم ضمان مصالحهم، وقربهم في نفس الوقت تسهيل تأثيرهم.
ورغبتهم في القرب تجعلهم علي استعداد باستمرار، وجاهزين طول الوقت لما يطلب منهم، لأنه المقدمة المنطقية لما يمكن لهم - بدورهم - أن يطلبوه.
* والمجموعات (مشروعات أو محاولات أو طموحات التصدي للمصالح القائمة) - فإن أطرافها في موقف مركب، فهم مع السلطة في حركة جدل لا ينقطع، يريدون عرض مطالبهم أمامها باستمرار ويحاولون إقناعها بأنهم وإن كانوا في هذه اللحظة مجموعات إلا أنهم بحركة التاريخ أقرب إلي تمثيل المجموع.
وهم يعتبون أحيانًا، وربما يغضبون، لكنهم تحت كل الظروف لا يسمحون - ولا يقدرون علي السماح - بقطيعة بينهم وبين السلطة، فذلك أكثر مما يحتملون وأكثر مما تحتمل الظروف.
* وأما التيارات (شحنات الفكر المتلفتة في كل اتجاه تشد معها «الإحساس العام») - فإن أصحابها بالتأكيد في الموقف الأصعب. لأنهم ليسوا ضد السلطة بالضرورة،
ثم إنهم ليسوا معها بالضرورة، بل هم معها في علاقة شد وجذب، هو نفسه حركة الصراع بين المصالح القائمة وبين المطلوب المشروع. وأهميتهم ليست فقط في أنهم العنصر المؤثر علي اتجاهات «الإحساس العام»، وإنما هم أيضًا - مع اختلاف الاتجاهات - أكثر العناصر تأثيرًا في حركة المجموعات (مشروعات أو محاولات أو طموحات التصدي للمصالح القائمة).
هذه هي ملامح الصورة السياسية العامة في معظم بلدان العالم الثالث - يا سيادة الرئيس - بدايتها أننا أمام مؤسسة قوية واحدة، وسلطة فعلية واحدة - هي مؤسسة وسلطة الرئاسة، وبالطبع فإن هذا الوضع ليس أبديا، وإنما هو وضع يتأثر كل يوم بحركة التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في أي بلد من البلدان.
وعلي وجه اليقين فإنه سوف تبرز أكثر في المستقبل، ومن داخل هذا الخليط، طبقات واضحة التكوين، بحيث يصبح لكل من هذه الطبقات تعبيرها السياسي عن نفسها وبالطبع عن مصالحها، ثم تتمكن هذه التعبيرات السياسية من أن تقيم مؤسسات للشرعية الدستورية والقانونية، تحل محل شرعية المؤسسة الواحدة.


- 2 -
وفي ظروف مصر - يا سيادة الرئيس - زيادة علي ما في ظروف غيرها من بلدان العالم الثالث - تكرست سلطة المؤسسة الواحدة، بل سلطة الرجل الواحد.
كان المجتمع المصري - منذ خمسة آلاف سنة - علي شكل الهرم، ولم يكن الهرم في الوجدان المصري مجرد شكل هندسي أو تكوين معماري، وإنما كان الهرم تصورًا أو تصويرًا لأوضاع المجتمع.
«الملك الإله» علي القمة - وكبار الأمراء وكبار الكهنة وكبار القواد وكبار الموظفين، وكلهم المسؤولون عن النيل والأرض والبركات(!) طبقة تحته - والمهندسون والإداريون والفنيون طبقة ثالثة تحت الطبقة الثانية - وتحت هؤلاء جميعًا قاعدة الهرم الضخمة، وفيها جموع المنتجين من الزُّراع والصُّناع - حياتهم علي النيل والأرض، وولاؤهم مضمون: بهيبة الملك الإله، وطقوس كبار الكهنة، وسلطة الحكام من كبار القواد والموظفين.
وقد قام هذا الهرم في مصر الفرعونية واستمر بعدها. والغريب - يا سيادة الرئيس - أن كل محاولات تحدي هذا الهرم لم تنجح إلي الآن، ولا بالثورة. وربما كانت الأزمة الحقيقية لمصر «الثورية» أن هذا الهرم بقي علي شكله العام رغم الحركة العنيفة صعودًا وهبوطًا علي درجاته، ورغم الصلة المباشرة التي تحققت في بعض الأوقات بين قمته وبين القاعدة.
ولعل تلك الحركة العنيفة كانت محاولة لاستباق التطور، ما لبثت سطوة الحقيقة - بصرف النظر عن حركة التاريخ - أن اعترضت سبيلها وأعادت الأمور إلي سيرتها الأولي، خصوصًا بعد أن ساعدت طوارئ الأحداث في المنطقة وفي العالم من حول مصر علي التواصل المباشر - حتي بوسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بين قمة الهرم وبين قاعدته.
وهكذا فإنه إذا كانت للسلطة في معظم بلدان العالم الثالث مؤسسة واحدة هي سلطة الرئاسة - فإن مصر علي وجه التحديد، تواجه المعضلة مضاعفة مرتين:
- مرة بظروف مراحل التطور التاريخي العام للشعوب والأمم.
- ومرة ثانية بخصوصية التاريخ المصري وطبائعه.
وإذا اتفقنا - يا سيادة الرئيس - علي أنها مؤسسة حقيقية واحدة، وسلطة فعلية واحدة، إذن فلمن غيرها نتوجه بالحديث؟
ولكي أكون صريحًا دون أن أتجاوز الحد أو الحق، فإني أعترف أنني لم أكن متحمسًا لتوجيه الحديث إلي غير مؤسسة الرئاسة، لأن الحديث مع غيرها في رأيي يعود بنا إلي أيام الإمبراطورية القديمة في اليابان، حين كان الأمراء يتلقون العلم في إحدي قاعات القصر،
ويجلسون وبجوار كل منهم واحد من أبناء عامة الناس، ويدخل المعلم إلي القاعة الملكية فلا ينظر إلي أبناء الأمراء ولا يلفت انتباه أحد منهم ولا يوجه نحوه لومًا بكلمة،
وإنما يوجه ملاحظاته - ولومه - وعقابه - إلي الفتي الجالس بجوار الأمير من أبناء الشعب، وليفهم الأمير ما يفهم وينتبه إلي ما يحلو له أن ينتبه إليه، لأنه في كل الأحوال محصَّن فوق التوجيه بالكلمة أو النظرة - فضلاً عن العقاب!
ولكي أكون منصفًا، فإن مصر الحديثة شهدت فترة سماح عابرة تواجدت فيها علي قمة الهرم المصري سلطتان، وتلك هي فترة ثنائية السلطة بين القصر الملكي (شكليا)، وبين الاحتلال البريطاني (واقعيا).
وإذا أخذنا بداية تاريخ مصر الحديث بمحمد علي، فقد كان «محمد علي» وحده علي قمة الهرم، ولي النعم، وذلك وصف جديد للملك الإله.
وإذا أخذنا بداية تاريخ مصر الحديث بالاحتلال البريطاني، فقد كان «كرومر» وحده علي قمة الهرم معتمدًا ساميا، ومن اللورد «كرومر» (المعتمد البريطاني في مصر أواخر القرن التاسع عشر)، وحتي اللورد «كيلرن» (المندوب السامي البريطاني حتي أواسط القرن العشرين) لم تتغير الصورة شكلاً وواقعًا. وفي كل الأحوال فقد انتهت هذه الثنائية بسقوط الملكية، وإنهاء الاحتلال بعد الثورة المصرية سنة 1952.
وبانتهاء هذه الثنائية تأكدت مرة أخري - شكلاً وواقعًا - قاعدة المؤسسة الواحدة والسلطة الواحدة علي قمة الهرم المصري: ظروف التطور في العالم الثالث تزكيها - وخصوصية التاريخ المصري تؤكدها!
هكذا كان عصر «جمال عبدالناصر»، وهكذا كان عصر «أنور السادات» بعده.
ولقد أزعم - يا سيادة الرئيس - ومن منظور رؤيتي، وقد يكون صواباً أو خطأ ما أراه، أن مؤسسة الرئاسة وسلطتها في عصر «جمال عبدالناصر» كانت لها استجابة معينة لاتجاه التاريخ وضروراته وتدفقه المتحرك دوما.
وبنفس المنطق فإن مؤسسة الرئاسة وسلطتها في عصر «أنور السادات» كانت لها استجابة أخري للتاريخ، لكنه في الحالتين - في العصرين - لم تكن هناك غير مؤسسة واحدة وسلطة واحدة، وكل ما عدا ذلك من أشكال وأدوات وحتي واجهات.
وبالطبع فإن كليهما - «عبدالناصر» أو «السادات» - لم يمارس سلطته في فراغ، وإنما مارس هذه السلطة في واقع رآه، وعلي ضوء تحليل للعالم الواسع قدّره، وفي مساحة حوله لها تفاعلاتها الجارية في المجتمع بين القوي الممثلة لأصحاب المصالح القائمة، والمجموعات الممثلة للمشروعات «النشطة» والتيارات المتأثرة والمؤثرة في نفس الوقت.
ومع ذلك فهي في نهاية المطاف مؤسسة واحدة وسلطة واحدة، ومنها يصدر القرار، ومن القمة ينزل إلي ما تحتها.
قاعدة لم تتغير مهما كان نوع القرار، سواء كان اختيار رجل لمهمة، أو تحديد مسار اجتماعي، أو سياسي أو دولي.
* وعلي سبيل المثال فإن رجلا فاضلا في حد ذاته وكفئاً - كالمهندس «صدقي سليمان» - أصبح رئيسا للوزراء في عصر «عبدالناصر» باختيار شخصي منه، مع ملاحظة أن «صدقي» لم تكن له سابقة عمل سياسي، وإنما كانت له تجربة تنفيذية هي الإشراف علي بناء السد العالي، وبعدها اختاره «جمال عبدالناصر» ليرأس الوزارة. وفي صميم الموضوع فإن «صدقي سليمان» لم يكن يمثل - سياسيا - ما هو أكثر من الاختيار الشخصي لجمال عبدالناصر.
وعلي سبيل المثال أيضا فإن رجلا مؤتمنا وموثوقا - كالسيد «ممدوح سالم» - أصبح رئيسا للوزراء في عصر «أنور السادات» باختيار شخصي منه، ولم تكن لممدوح سالم - هو الآخر - سابقة عمل سياسي - وإنما كانت له تجربة مطمئنة في مجال حفظ الأمن، واختاره «أنور السادات» ولم يكن «ممدوح سالم» يمثل - سياسيا - ما هو أكثر من الاختيار الشخصي لأنور السادات.
والقياس سليم بعد ذلك إلي آخر المطاف.
وإذا تركنا مجال اختيار الرجال للمهام، وانتقلنا إلي مجال تحديد المسارات الاجتماعية أو السياسية أو التنفيذية، فإن نفس القاعدة تظل سارية المفعول.
كان تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، والتوجه القومي العربي والتحول الاشتراكي، وصيغة تحالف قوي الشعب العامل - اختيارات لجمال عبدالناصر من واقع رؤيته.
وكانت قرارات أكتوبر 1973، والتوجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية والصلح مع إسرائيل، وسياسة الانفتاح - اختيارات لأنور السادات ومن واقع رؤيته.
ويلفت النظر - يا سيادة الرئيس - أن الأدوات التي نفذت هذه السياسات والقرارات المتباينة، كانت نفس الأدوات، أي أجهزة السلطة.
ويلفت النظر أكثر - يا سيادة الرئيس - أن التنظيمات الواجهات التي قامت علي تنفيذ هذه السياسات وتولت مسؤولية القرارات المتباينة لها - نفس التنظيمات تقريبا، بل نفس الوجوه حصرا - لأن غالبية الذين كانوا في صفوف الاتحاد الاشتراكي هم الذين انتقلوا منه إلي صفوف حزب مصر، وهم الذين انتقلوا منه إلي صفوف الحزب الوطني، والسبب واضح، فقد كانوا هم ممثلي القوي «أصحاب المصالح القائمة» القريبين من كل سلطة - أي سلطة - بحكم الحرص علي حماية المصالح، والرغبة في التأثير إلي أقصي الممكن.
وأليس ملفتا للنظر أكثر من ذلك أنه حتي أحزاب المعارضة وقتها «وحتي الآن» بدأت وجودها ونشاطها بقرار رئاسي؟
لقد كان الرئيس «السادات» هو صاحب قرار المنابر، بل اختار لهذه المنابر - اليمين والوسط واليسار - رؤساءها. وكان هو أيضا صاحب قرار تحويل المنابر إلي أحزاب وبنفس الرؤساء الذين اختارهم، وليكن أن التجربة العملية طورت الممارسات - فإن ذلك لا يغير نسب الأبوة ولا شهادة الميلاد!
ماذا أقول - يا سيادة الرئيس - هل أقول إنه حتي القانون نفسه أصبح قرارا واختيارا: قانون «حل الأحزاب» في عصر «عبدالناصر» - «إنشاء المنابر» في عصر «أنور السادات» - مجرد مثالين!
عبد الناصر والسادات أكدا قاعدة المؤسسة الواحدة والسلطة الواحدة علي قمة الهرم المصري.. منها يصدر القرار ومن القمة ينزل إلي ما تحتها

17/1/2008
[ جمال عبدالناصر مع مبارك وجمال سالم في كلية الطيران - بلبيس]
جمال عبدالناصر مع مبارك وجمال سالم في كلية الطيران - بلبيس

ـ 3 ـ
وأكثر من ذلك - يا سيادة الرئيس - فإنكم جئتم إلي مؤسسة الرئاسة بعد مأساة في تاريخ مصر لم يسبق لها مثيل، فلقد كانت تلك هي المرة الأولي في التاريخ التي قام فيها واحد من أفراد الشعب المصري عند القاعدة، بقتل الملك الإله الجالس علي قمة الهرم.
ولقد يختلف الناس من هنا وإلي الأبد في تفسير وتعليل تلك المأساة غير المسبوقة في تاريخ مصر:
* قد يري البعض أن ما جري كان كارثة شباب، جرفه التطرف إلي العنف، وقاده العنف إلي القتل، ومن ثم فهي حادثة وليست حدثاً.
* وقد يري البعض أن ما جري كان مأزق رئيس خانه حلفاؤه أو خانته سياساته، ومن ثم فقد دفع حياته ثمناً للذين خانوه!
* وقد يري البعض أن ما جري كان إعلاناً بفشل سياسات قمع وصلت إلي طريق مسدود، ولم يبق سبيل لفتحه غير العنف، ومن ثم فإن القضية أكبر وأخطر.
إن التفسيرات مهمة - يا سيادة الرئيس - لأن اختلافها يعكس تبايناً وتضارباً ورؤي.
هناك من يريحهم النظر إلي الحدث علي أنه حادثة، يعالجها البوليس - وبعده التحقيقات والأحكام وتنفيذ الأحكام.
وأرجح الظنون أن تلك رؤية قاصرة للتاريخ، لم تتعلم من تجاربه، ولهذا حكم عليها بأن تعيش نفس التجارب مرة أخري. لم تتعلم من حريق القاهرة في يناير 1952، فحكم عليها أن تراه مكرراً في أحداث يناير 1977. ولم تتعلم من أحداث يناير فعاشتها مكثفة علي المنصة في أكتروبر 1981م.
والغالب أن أصحاب هذه الرؤية هم في العادة القوي صاحبة المصالح القائمة، يناسب أحلامهم، أو لعلها أوهامهم - أن مواقف الخطر الكبري، مجرد كوابيس أطبقت عليهم في الليل، فإذا طلع النهار كان خيراً أن ينسوها وأن ينصرفوا إلي ما يهمهم، خصوصاً ذلك السباق الكبير الذي يرمحون فيه دون أن يسألوا أنفسهم ذلك السؤال البسيط: إلي أين بالضبط؟
إن التفسير البوليسي للتاريخ وأحداثه سهل، والمنطق الذي يغري به ينسجم مع الهوي - لكن الركون إلي مثل هذا التفسير - كما تعلمنا التجارب - أقرب منزلق إلي الهاوية.
وعلي أي حال، فإنه مهما اختلفت التفسيرات، فإن الظاهرة التي لا تحتمل خلافاً هي أن الشعب المصري فتح لكم قلبه من أول ثانية، وصنع لكم بخياله وبآماله صورة علقها علي مستقبله، أو لعله علق مستقبله عليها.
ففي لحظة من التاريخ مشحونة بالخطر معبأة بالقلق - أعطاكم الشعب المصري تفويضاً لم يحقق انتقال السلطة فقط، وإنما أضاف إلي انتقال السلطة بسهولة - شرعية استعمالها بسرعة.
وعملياً فإن انتقال السلطة تم بواسطة جهاز الدولة - وفيه القوات المسلحة للدولة - ذلك أنه عندما انجلي الغبار والدخان عن المنصة، فقد ظهر أنه يواصل دقاته بانتظام - وعليه فإن عملية انتقال السلطة أصبحت تحصيل حاصل.
ولم يكن عدد الأصوات في صناديق الاستفتاء هو الذي أسبغ الشرعية علي عملية انتقال السلطة - فكم شهدت مصر من استفتاءات، وإنما كان الجو العام الذي جري فيه الاستفتاء - جو الرغبات والآمال - هو المصدر الأكبر للشرعية، والسند القوي لهذه الشرعية.
هكذا أصبحت في أيديكم سلطة القرار والاختيار. فإذا كان هناك رجال مكلفون بمهام - فالقرار عنكم والاختيار منكم. وإذا كان هناك تحديد لمسارات سياسية أو اجتماعية أو دولية - فالقرار أيضاً من عندكم والاختيار أيضاً.
* * *
يظل هناك سبب آخر - غير كل أسباب الموضوع في توجيه الحديث لكم وليس لغيركم - وهو الشكل. والشكل في بعض الأحيان حقيقة لها قوة الموضوع تماماً، وذلك أننا تحت نظام رئاسي، ولسنا تحت نظام ملكي، أي أننا لسنا في مواجهة «الحكومة المخلصة لصاحب الجلالة الملك» أو «المعارضة الوفية لصاحب الجلالة الملك»، وإنما نظامنا علي نحو ما رئاسي (وأقول علي نحو ما لأن الرئاسة عندنا التبست بمظاهر سلطانية لا لزوم لها).
وعلي سبيل المثال، ففي الولايات المتحدة الأمريكية - والحكم فيها رئاسي - يتحدث الناس عن السياسة الاقتصادية لـ: «رونالد ريجان»، وعن السياسة الخارجية لرونالد ريجان، بل وعن مشروع «ريجان» لحل أزمة الشرق الأوسط.
و«ريجان» هو الذي تُقاس شعبيته كل أسبوع باستفتاءات الرأي العام وليس وزراؤه، حتي إن كانوا هم الذين يشيرون عليه بسياساته الاقتصادية أو الخارجية، أو مشروعاته لحل أزمة الشرق الأوسط أو غيرها من الأزمات.
ومع أن النظام الرئاسي في الولايات المتحدة محفوف ومحصن بموازين وضوابط - وضعتها تجربة ديمقراطية تستحق الإعجاب والاحترام - إلا أن الرئيس يبقي هو المسؤول الأول ويظل الآخرون في السلطة مجرد مساعدين له، يتحملون المسؤولية أمامه (وأمام الكونجرس في بعض الحالات)، لكن الرئيس هو رمز السلطة، وقمة النظام، وعليه المسؤولية - كاملة - أمام الشعب.
وإذا كان ذلك كله صحيحاً - يا سيادة الرئيس - وأظن أنه صحيح - إذن فلمن غيرك نتوجه بالحديث؟
هي إذن وزارتك - وهو حزبك - وهي مجالسك للشعب وللشوري.
وقد يكون علي رأسها جميعاً أساتذة أجلاء في الطب والقانون والجغرافيا، ورجال ونساء لهم نصيب في العمل العام - لكنهم جميعاً في النهاية لا يمثلون سياسياً إلا ما أعطيتهم من سلطة وما كلفتهم من أمر.
بمعني أن جميع الأشكال - وما وراءها - تستمد بقاءها من التفويض الذي أعطي لك ولم يعط لسواك، وعليه فكل ما ينشأ بعد ذلك قرارك واختيارك، سواء كان القرار أو الخيار مؤقتاً لدواعي الاستمرار، أو باقياً بدعوي الاستقرار.
تلك محاولتي للإجابة عن سؤال اعتراضي سألته لنفسي وربما يسألني فيه غيري، وقد طالت إجابتي عنه، ولكنها كانت ضرورية.
والآن وبعد أن فرغت منها - وجب أن أعود إلي موضوعي الأصلي، وهو بقية أسبابي في تأييدك، واستمرار هذا التأييد باقياً حتي هذه اللحظة.
* * *
لقد عددت - يا سيادة الرئيس - سببين من أسبابي في تأييدك أكررهما تذكيراً وجسراً لاتصال الحديث:
1- سجلك في الخدمة العامة.
2- حقيقة أنك لست مديناً لأحد.
وأصل إلي السبب الثالث من أسبابي في تأييدك - يا سيادة الرئيس.
هذا السبب الثالث هو أنني أعرف - لسوء الحظ - شيئاً عن حقائق الأوضاع التي آلت إليكم شؤونها وشجونها، أعرف حقيقة التركة التي ورثتموها وأصبحت أمانة. عليكم مسؤوليتها أمام التاريخ والناس.
إن تعبير «التركة» - كما تذكرون - مُستعار من قاموس الرئيس «السادات».
وكان - يرحمه الله - كثيراً ما يردد القول بأنه ورث عن «عبدالناصر» تركة ثقيلة - ولعلكم تأذنون لي أن أختلف معه - ولقد اختلفت معه في حياته وسلطته، ولم أنتظر الموت والقبر لكي يحررا عقدة لساني.
ما سوف أقوله الآن قلته وكتبته ونشرته والرئيس «السادات» علي القمة وفي يده القرار والخيار، بل إنني سجلت بعضه في وثيقة رسمية هي محاضر التحقيق الذي أجراه المدعي الاشتراكي معي حين أحلت إليه سنة 1978،
وقد نشرت محاضر هذا التحقيق كاملاً في كتاب عنوانه «وقائع تحقيق سياسي أمام المدعي الاشتراكي» وكان ذلك سنة 1979، والرئيس «السادات» علي قمة السلطة، وملء السمع والبصر.
ولقد كان ما قلته - قبل وأثناء وبعد التحقيق - هو الذي انتهي بي إلي السجن. ولعلي من هنا لا أشعر أنني أتجني أو أتطاول علي رجل أو علي ذكري.ـ إذا عدت أكرره الآن.
إن الرئيس «السادات» ورث عن «جمال عبدالناصر» منجزات داخلية كبيرة بينها تأميم السويس، وبناء السد العالي، وإقامة قطاع عام صناعي ضخم وقادر، وإجراء تحولات اجتماعية بالغة الأثر، إلي جانب سياسة عربية ودولية وضعت مصر في مكانها اللائق في قلب الأمة ووسط العالم،
علي أنه من الإنصاف أن يقال - في نفس الوقت - إن «أنور السادات» ورث عن «جمال عبدالناصر» نتائج معركة قاسية سنة 1967، وضرورة معركة قادمة، وأن ذلك كان أثقل البنود في تركة «عبدالناصر» وأخطر السلبيات في تجربته.
وأتذكر - يا سيادة الرئيس - أنني لخصت رأيي في سلبيات التجربة الناصرية، وكان «جمال عبدالناصر» لايزال بيننا وعلي القمة - في نقطتين:
ـ استعمال السلطة بأكثر مما هو ضروري في الداخل.
ـ واستعمال القوة بأكثر مما هو مناسب في الخارج.
وعليه فقد كان رأيي - ولايزال - أن التجربة الناصرية تأخرت في حل مشكلة الحرية السياسية في وطنها، ثم إنها تسرعت في الدخول إلي مصيدة الحرب في ظروف غير ملائمة.
علي أن الإنصاف يقتضي وضع نكسة سنة 1967، في حدودها دون تعميم يريد أصحابه ترسيخ الشعور بالهزيمة إلي أعماق الأعماق، وحتي تفقد مصر وتفقد الأمة إيمانها بنفسها وقدرتها، مع أنه لا يصح لأحد أن يتهاون في مسؤولية ما جري سنة 1967 - ولا حتي أن يحولها إلي نهاية لكل شيء في ثورة يوليو 1952، إلا أن كل مرحلة تاريخية تجربة لها سلبياتها ولها إيجابياتها، وكانت محنة سنة 1967 هزيمة معركة ضمن حرب مستمرة، لكن الإرادة المصرية لم تستسلم بعدها،
وإنما واصلت القتال، ونُفِّذَت تحت قيادة «أنور السادات» سنة 1973، خطة صدَّق عليها «جمال عبدالناصر» سنة 1970، باسم «جرانيت رقم (1)»، والمدهش أن الصراع ظل متصلاً - برغم كل حكايات السلام - وأقرب شاهد علي ذلك تصريحات لها معناها ومغزاها صدرت أخيراً عن المشير «عبدالحليم أبوغزالة».
وهكذا فإن فصل سنة 1967 - كان حلقة من سلسلة، وموجة من موجات، وجزءاً من أعباء مسؤولية تتصل اتصالاً وثيقاً بمقادير مصر.
وفي إطار تركة «عبدالناصر»، فقد كان وضع مصر الاقتصادي وبرغم كل الأعباء - متماسكاً.
بل إنه برغم النكسة في معارك سنة 1967 - فإن اقتصاد مصر ظل قادراً علي تحمل ثلاث مسؤوليات اجتماعية وسياسية واقتصادية متوازية وفي نفس الوقت:
1 - إعادة تسليح الجيش للحرب المستمرة واستعداداً للتحرير.
2 - إتمام بناء مشروعات ثلاثة ضخمة (السد العالي - مجمع الحديد والصلب - مجمع الألمنيوم).
3 - تثبيت الأسعار لكي تكون الحياة محتملة بالنسبة للسواد الأعظم من الناس.
ولم تكن مصر تحصل علي معونات عربية غير دعم الخرطوم المحدود بعد سنة 1967.
ولم تكن مصر تنتظر مساعدات اقتصادية من الولايات المتحدة، بل إنها علي العكس كانت رهن قيود وصلت أحياناً إلي درجة الحصار، وكانت مصر أبعد ما تكون عن تلك التسهيلات المالية الهائلة التي جاءتها - لاحقاً - من قريب ومن بعيد!
ومع ذلك فقد كانت ديون مصر الخارجية المدنية والعسكرية جميعها - ومعظمها للاتحاد السوفيتي - في حدود ثلاثة بلايين دولار، تنقص عن ذلك ولا تزيد.
وحتي بعد حرب أكتوبر، فإن الموقف الاقتصادي ظل معقولاً، ويشهد بذلك التقرير الكبير الذي كتبه الدكتور «عبدالعزيز حجازي» رئيس الوزراء في مارس سنة 1975، وهو تقرير أعطاه لي الرئيس «السادات» دون أن يقرأه، وقد قرأته، ومازلت أحتفظ به، وهو تحت تصرفكم إذا شئتم أبعث به إليكم.
ولم تكن مصر مستعمرة سوفيتية - يا سيادة الرئيس - كما يزعم بعض ذوي الهوي.
كان في يد مصر سلاح سوفيتي هي التي أرادته وسعت إليه، وكان عندها خبراء من الاتحاد السوفيتي هي التي وظَّفتهم لخدمة معركتها مع إسرائيل - وهؤلاء الخبراء السوفيت لم يتدخلوا في غير نطاق عملهم، وهذه شهادة لله وحده، وربما تجاوز واحد منهم أو تجاوز اثنان - لكن مصر كانت دائماً في وضع يسمح لها بأن تقول لمن تشاء منهم: «اذهب»، ثم لا يكون أمامه إلا الذهاب.
ولقد أستأذنكم - يا سيادة الرئيس - في تذكير هؤلاء الذين يتحدثون عن مصر المستعمرة السوفيتية، بأن الزيادة الكبيرة التي طرأت علي أعداد الخبراء السوفيت بعد يناير 1970 كانت بطلب منا، فقد حملناهم مسؤولية الدفاع عن العمق المصري، في وقت كانت قوات الدفاع الجوي المصري تركز جهدها بالكامل علي حماية الجبهة العسكرية،
وكان ذلك ترتيباً مؤقتاً لاجتياز عنق الزجاجة، ففي ذلك الوقت - وأنتم خير من يعرف - كانت لدينا أعداد هائلة من الشباب يتدربون في الاتحاد السوفيتي علي أنواع جديدة من الطائرات والصواريخ المتطورة - وحتي يعود هؤلاء ويتحملوا مسؤولياتهم في عمق الوطن - فقد قبل السوفيت أن يتولوا مهمة حماية العمق فترة «عنق الزجاجة».
وأليس محزناً أن نشهِّر بهم لهذا الذي فعلوه معنا في لحظة حرجة كانت إسرائيل فيها - وبالطائرة الفانتوم - تنفذ في أجوائنا لكي تضرب المرافق الحيوية والبيوت والنساء والأطفال؟
لقد كنت هناك بنفسي - يا سيادة الرئيس - واحداً من الذين حضروا مع «جمال عبدالناصر» اجتماعات موسكو السرية في يناير 1970، ولقد رأيت وسمعت كيف كان تردد القادة السوفيت إزاء احتمالات تواجد عسكري لهم في مصر، كانوا يرون هذه الخطوة خطراً علي موازين القوي العالمية، وقد جازفوا وقبلوا تحت إلحاحنا، وإن اشترطوا - يا سيادة الرئيس - هم الذين اشترطوا - أن يخرج خبراؤهم من مصر قبل المعارك، حتي لا تكون هناك ذرائع للقوة الأعظم الثانية لتتدخل مع إسرائيل.
يومها - يا سيادة الرئيس - وهناك شهود أحياء علي الواقعة - أتذكر أن الزعيم السوفيتي السابق «ليونيد بريجنيف» ترك مقعده علي رئاسة الوفد السوفيتي، وجاء وراء مقعدي وكنت منهمكا في متابعة ما أراه أمامي، وأحسست بمن يربت علي كتفي، والتفت وإذا به «بريجنيف» وهممت للقيام بسرعة، وضغط علي كتفي يبقيني علي مقعدي، ويقولي لي:
«إننا اتخذنا اليوم قراراً خطيراً لم يسبق لنا اتخاذ مثله علي الإطلاق، لكن أزمة الشرق الأوسط وأمن مصر وسلامة شعبها تعنينا، وهناك قضية سوف أعتبرك مسؤولاً عنها، وهي قضية مواجهة الحملة الخارجية في حالة ما إذا تسرب سر القرار الذي اتخذناه اليوم، أنت تعرف صحافة الغرب، وهم كثيراً ما ينقلون عنك ما تكتب».
إلي هذا الحد - يا سيادة الرئيس - كان تخوفهم مما دعوناهم إليه، وهم بالطبيعة أبعد الناس عن المغامرة، بل لعل أكبر عيوبهم أن حبالهم طويلة، وأنهم علي استعداد للانتظار حتي تنضج عوامل صنع التغيير التاريخي وفق عقائدهم.
أقول هذا - يا سيادة الرئيس - للإنصاف، وأقوله أيضاً عارفاً أن شعب مصر كريم الأخلاق ووفي، وليس ذنبه أن البعض حاولوا التعبير عنه بأسلوب لم يكن هناك ما يدعو إليه، وأليس غريباً - يا سيادة الرئيس - ما رأيناه حين أقلعت طائرتنا إلي الحرب في أكتوبر ومعنا الاتحاد السوفيتي، وهبطت طائرتنا بعد الحرب وإذا معنا الولايات المتحدة الأمريكية، أي أنه سلاح سوفيتي (لحماية العرب)، وبعده حل أمريكي (لحماية إسرائيل)!
أقول ذلك - يا سيادة الرئيس - وأنا لست شيوعياً بالطبع وبالقطع، ولكني أقوله كمواطن مصري وكقومي عربي، ذلك أنه من قبيل المصائب أن لا نعرف كيف نفرق بين من ساعدنا وبين من ساعد عدونا، ثم إنه من قبيل المصائب أيضاً!
أن نجد بيننا من يرددون - منافسة للببغاوات - ما كان يقوله أعداؤنا عنا ضمن حربهم النفسية ضدنا!!
استعمار سوفيتي؟!
أي استعمار ذلك الذي ينتهي باستدعاء سفير - كما فعل الرئيس «السادات» يوم 8 يوليو 1972 مع السفير السوفيتي «فلاديمير فينوجرادوف» - ليقول له: اسحبوا جميع خبرائكم من عندي في ظرف عشرة أيام. ويعود السفير في اليوم التالي برد من حكومته، مؤداه أن «سحب الخبراء سوف يتم في أسبوع واحد لا أكثر»، ثم يحدث ذلك فعلاً.
أي نوع من الاستعمار هذا - يا سيادة الرئيس؟
لست أنكر أن الاتحاد السوفيتي قوة عظمي، ولها أهدافها، ولكني أزعم أن مصر أخذت من الاتحاد السوفيتي ما أرادت، ولم تعط للاتحاد السوفيتي ما أراد.
كان هدف الاتحاد السوفيتي إخراج النفوذ الغربي من الشرق الأوسط، وتصادف ذلك مع هوانا، لأن ذلك نفسه كان هدفنا.
وربما كان مُني الاتحاد السوفيتي أن يحل نفوذه محل نفوذ الغرب في منطقتنا، ولكننا لم نمكنه، ثم إن بعده الجغرافي عن حدودنا، إلي جانب موازين القوي الحساسة في المنطقة - أعطتنا حرية في مواجهته، لم يكن لغيرنا مثلها في أي بقعة أخري من العالم.
يبقي - يا سيادة الرئيس - أننا حققنا كل ما حققناه - في ميادين القتال - برجالنا، هذا صحيح، ولكن الصحيح أيضاً أنه لم يكن في يدنا غير السلاح السوفيتي.
وكانت مصر قوة عربية ودولية - ليس في ذلك شك - يا سيادة الرئيس.
ولست أجادل في أن النكسة العسكرية سنة 1967 كانت في ناحية منها إصابة لهيبة لمصر، لكن مصر راحت تستعيد مكانتها يوماً بعد يوم عندما أدرك الكل أن جزءاً من أراضيها وقع تحت الاحتلال، ولكن كل إرادتها ظلت لها، فلم ترغمها الصدمة علي توقيع وثيقة، وإنما دفعتها الصدمة إلي استجماع عناصر الفعل، واستنهاض همة الأمة،
والعودة فوراً إلي ميادين القتال: بمعارك المدافع، ومعارك العبور، ومعارك الطيران والصواريخ، مما أطلقنا عليه وصف حرب الاستنزاف، وما تحول بعد ذلك وتطور فأصبح الخطة «جرانيت 1»، التي تحولت وتطورت إلي «خطة بدر» التي نسميها الآن «حرب أكتوبر».
ويبقي آخر يوم من حياة «جمال عبدالناصر» شاهداً لا يكذب علي مكانة مصر العربية والدولية.
وربما قرأتم - يا سيادة الرئيس - في الأسبوع الماضي رسالة لمراسل «نيويورك تيمس» في الشرق الأوسط «توماس فريدمان»، جاء فيها قوله:
«إن العالم العربي مختلف الآن عما كان عليه سنة 1970، لقد اختفي «ناصر» الذي كان من القاهرة يأمر الآخرين في العالم العربي أن يجيئوا إليه، فلا يكون أمامهم خيار غير أن يجيئوا».
لقد بالغ «فريدمان» - يا سيادة الرئيس - فلم يكن «جمال عبدالناصر» يملك سلطة أمر علي غيره، ولكن مصر كانت تملك جزءاً مؤثراً من «شرعية» القرار العربي بكل ما يعنيه ذلك إقليمياً وعالمياً.
وأزعم - يا سيادة الرئيس - أن مصر في وقت «جمال عبد الناصر» لم يكن فيها «رشاد عثمان»، ولا «توفيق عبدالحي»، ولا عشرات غيرهما سوف يظهر أمرهم، وكل واحد فيهم قضية تكفي لإنهاء عهد، بقدر ما كانت قضية «ووترجيت» كافية لإسقاط عهد «ريتشارد نيكسون» وإخراجه من البيت الأبيض.
لا أدعي العصمة للبشر، وربما كان هناك ما لا أعلمه.
لكني أعلم يقيناً أن «جمال عبدالناصر» كان فوق الشبهات. أعلم يقيناً أن مصر استعادت قناة السويس فاستردت كرامة، وتملكت مورداً، كان ولا يزال أهم مواردها وأكبر أرصدتها، وهي في ذلك لم ترش أحداً وإنما بذلت دماً.
وأعلم يقيناً أن السد العالي - واحد من أضخم مشروعات العصر - تم بناؤه دون سحابة أو غمامة شك.
وأعلم أن برنامجاً هائلاً للتصنيع - لم يكن له مثيل في أي واحدة من بلدان العالم الثالث كله - جري تخطيطه وتنفيذه دون مظنة شبهة أو تهمة.
ولست أريد - علم الله - أن أعقد مقارنة بين عهدين، فتلك قضية لا داعي لها، وفي بعض الأحوال فلسنا نحن حكامها، وإنما الحكم هو التاريخ، بالإضافة إلي أن مثل هذه المقارنات عقيمة لا تريد مصر أن تسمعها ولا تملك وقتاً تضيعه فيها، ولعلي أقول إن مصر تريد اليوم أن تسمع سؤالاً واحداً، وليس سؤالين:
ليكن ما كان، ما هو العمل الآن، ماذا عن المستقبل، وإلي أين من هنا؟
هذا لب الموضوع هذه اللحظة، وذلك جوهر التحدي.
هناك سبب رابع من أسبابي في تأييدك - يا سيادة الرئيس - وهو أنني واحد من الذين يتمنون لكم قلبياً أن تنجحوا، ليس فقط لأنكم «وطني، كفء، لديه ملكة القيادة»، ثم إن الظروف ألقت علي أكتافه بالحمل الثقيل - ولكن أيضاً لأن مصر لا تستطيع أن تتحمل - لا سمح الله ولا قدر - تبعات وعواقب أن لا تنجحوا، لسبب واضح، هو أن الخطر علي المستقبل يتأكد حين تصبح أعصاب الأمة وطاقاتها ومواردها مشدودة علي الآخر، أو تصبح صحتها علي غير ما يرام.
لقد قبلت هذه الأمة بتحديات كبري، وقامت علي إنجازات ضخمة، ورعت مسؤوليات جساماً، ثم تحملت أعباء نكسة مؤلمة، ودفعت تكاليف نصر غال، ثم رأت غنائم النصر تخرج من حوزتها وتسلب من أصحابها لتعطي لمن لم يساهموا في صنعها، ومنيت بالوعود وقنعت بالآمال، ثم همت بالغضب وإذا بحق الغضب ذاته ينتزع منها.
لا أفيض في هذه النقطة ولا أفصل، لكني - يا سيادة الرئيس - أقول لكم بأمانة: «إن النار تحت الرماد».
* * *
ويجيء الدور أخيراً علي سبب خامس وأمره بالغ الخطورة، ولعله أيضاً شديد الحساسية.
إنني - يا سيادة الرئيس - واحد من الذين يخشون أن انتقال السلطة إليكم ربما يكون آخر انتقال هادئ للسلطة يمكن أن تشهده مصر - إذا لم نفهم - وإذا لم نبدأ.
لقد كان مشهد المنصة درامياً، ولكننا ينبغي أن نفصل مشهد المنصة عن مشهد الانتقال.
والحقيقة أن ترتيب انتقال السلطة إليكم كان آخر نفس عميق - ربما - في جهاز حكم أصبح مرهقاً ومثقلاً ولم يعد قادراً إلا بمعجزة علي أن يصلب عوده، مجرد أن يصلب عوده ويقف.
هذا الجهاز - وقد كان من أهم ظواهر الحياة في مصر طوال تاريخها وبسبب طبيعتها - كما كان طوال عمرها واحداً من أهم عوامل استمرار الحياة العادية فيها - عدَّت عليه عوادي الزمان، وأرهقته تقلبات الأيام، بل تكاد تفرغه من خيرة عناصره ومن المحركات الدافعة لسيره، ومن الضوابط التي تنظم دوران تروسه.
ثم إن جيلنا - يا سيادة الرئيس - عاش ليري انقلاباً يتحول إلي ثورة، وكان هذا يوماً عظيماً في تاريخ مصر، لكن جيلنا - وكل جيل بعده - ليس بين أحلامه أن يعيش ليري الثورة تتراجع لتعود انقلاباً.
* * *

سيادة الرئيس
شرحت أمامك أسبابي
لماذا أيدت، ولماذا آثرت الصمت، تاركاً تأييدي لك كآخر موقف مسجل، وآخر موقف أتحمل مسؤوليته حتي هذه اللحظة.
وقاكم الله ووقي مصر، ورد عنكما كل مكروه.
لكن الصلوات ليست وحدها طريق الأماني، أو ليست وحدها طريق تحقيق الأماني.
وهكذا أسأل نفسي:
وماذا بعد؟

اظن ان الكثيرين عندهم علم بهذه المجموعة من الرسائل المحجوبة عن الاعلام المصرى ..
انشرها لمناقشتها
فبقدر ما احترم هيكل و استمع لخبرته و سرده للتاريخ الذى ساعدته الظروف ان يكون شاهدا عليه و احيانا جزء منه .. بقدر ما اختلف فى التحليل معه . لذلك انشر تلك الرسائل لمناقشتها معكم

ابدا بالرسالة الاولى و سانشرها كاملة .. فسامحونى على طول التدوينة
المقال الأول
الرهان علي «مبارك»
تمهيد
هذا التمهيد كتب في شهر نوفمبر 2003
كان «الهاجس الأمني» شاغل الرئيس «أنور السادات» في الفترة ما بين 1974 وسنة 1981، خصوصاً أنه كان يستشعر حجم وعمق التغييرات التي يريد إدخالها علي استراتيجية العمل المصري في الداخل، وفي الإقليم، وفي العالم (وإلي حد كبير فإن ما تغير وقتها في مصر وفي المنطقة حسم إلي درجة مؤثرة نهاية الحرب الباردة بين القوتين الأعظم حينئذ: الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي).. وكذلك كان شاغل الرئيس «السادات» في تلك الفترة هو تأمين حكمه ونظامه وتوجهاته الجديدة، كما كان هناك آخرون يحملون نفس الهم معه، وشاغلهم جميعاً تأمين وكفالة الاستمرار حتي تستقر التغييرات الجديدة وتترسخ!

وهكذا فقد كان هناك تحفز عام ضد أي مقاومة أو معارضة في الداخل أو في المحيط الإقليمي (العربي) أو ما هو أوسع منه. والذي جري فعلاً أن الرئيس «السادات» وجد نفسه أمام مجموعة من الرهانات في الخارج وفي الإقليم وفي الداخل -لم تحقق مأمولها ومطلوبها- ثم زاد علي ذلك ما اكتشفه في زيارته الأخيرة لواشنطن (أبريل 1981) من أن الرئيس الأمريكي المنتخب «رونالد ريجان» لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن تعهدات سلفه «جيمي كارتر»، بمعني أن «ريجان» ليس مهتماً بذلك «الرهان» الذي وضعه الرئيس «السادات» علي مائدة كامب دافيد -بقصد مساعدة «كارتر» انتخابياً، علي وعد بأن يرد له الجميل إذا نجح، فيباشر بالضغط علي إسرائيل كي «تتهاود» و«تلين»، ومن ثم تصبح التنازلات متوازية، لكن رهانات «كامب دافيد» ضاعت كلها واحداً بعد الآخر:

* من ناحية خسر «كارتر» - ونجح المرشح الجمهوري (القادم من مدرسة السينما في هوليوود)، ودخل إلي المكتب البيضاوي في البيت الأبيض فعلاً علي مقعد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (يناير 1977)، في حين خسر «كارتر» ولم يعد في مقدوره أن يرد للسادات جميله (علي فرض أن تلك كانت نيته).

* ومن ناحية ثانية خسر «إسحاق رابين»، الذي كان الرئيس «السادات» قد راهن علي نجاحه في الانتخابات الإسرائيلية (مارس 1977).
وقد أدرك الرئيس «السادات» في الإسكندرية (يوليو 1977) - وبعد أول لقاء بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد «مناحم بيجين» - أنه لن يحصل منه علي شيء، والظاهر أن الاستنتاج الوحيد الذي توصل إليه هو أن «قبضة من حديد» أصبحت لازمة لقمع المعارضة المتزايدة «لمبادرة السلام» أو مغامرة النزول علي سطح القمر (في القدس) كما شاع التعبير أيامها!

* ومن ناحية ثالثة فإن العالم العربي، علي اتساعه، تصاعد شعوره بالإحباط موجة عاتية تطغي علي ما بقي من دور وعطر نصر أكتوبر الذي كان بالفعل ملكية مشاعة للجميع.
وفي داخل مصر ذاتها كان الشعور بالمرارة قاسياً منذ قسوة التعامل مع مظاهرات يومي 18 و19 يناير 1977، والتي كانت آخر وقفة للطبقة المتوسطة التقليدية في مصر.
وأخيراً حلت الكارثة الكبري حين تدافعت الحوادث من اعتقالات سبتمبر 1981 - إلي اغتيالات 6 أكتوبر 1981.
وفي لحظة مشحونة بالخطر علي مصر فإن دواعي السلامة الوطنية تخطت غيرها من الاعتبارات، ولعلها استنفرت وعي كل الناس كي يحيطوا بالرئيس الجديد حتي تمر الأزمة، وكذلك أمكن تفادي الفتنة والفوضي.
بالإضافة إلي ذلك، فقد كان هناك اعتبار أن القوات الإسرائيلية مازالت في أطراف سيناء، وانسحابها مقرر بمقتضي الاتفاقيات بعد ستة شهور - أي في أبريل سنة 1982، وكانت دعوي النظام أن اسكتوا جميعاً حتي لا تتخذ إسرائيل من أي «شوشرة» في الداخل حجة لتأخير الانسحاب، وقبل الجميع دون مناقشة مراعاة اعتبارات عليا لها الأسبقية علي أي اجتهاد.

وكانت تلك «بداية رهان» علي «حسني مبارك».
وفي تلك الظروف المفعمة بالاحتمالات، التقيت مع آخرين غيري بالرئيس الجديد لأول مرة منقولين إلي قصره من غياهب السجن، خارجين من لقائه إلي متسع الحياة، ثم كان أنه تفضل بدعوتي للقائه وحدنا بعد أيام، ثم مضي عام حتي كتبت هذه المجموعة من المقالات لمجلة «المصور» بطلب رقيق من رئيس تحريرها ذلك الوقت، وكانت كتابتها في نوفمبر 1982، وها هي تنشر 2008- وهذا أولها.
«من 1982 حتي 2008 »..خطاب مفتوح إلي الرئيس «حسني مبارك»

نوفمبر 1982
سيادة الرئيس
لقد مر عام كامل علي ذلك اليوم الذي تفضلتم وأمرتم فيه بالإفراج عن الدفعة الأولي من المعتقلين الذين ازدحمت بهم السجون، ضمن إجراءات تلك العملية الغريبة في تاريخ مصر الحديث، والتي تطوع البعض -سامحهم الله- وأطلقوا عليها وصف «ثورة 5 سبتمبر 1981»!
كان لي الشرف أن أكون واحداً من المعتقلين في هذه العملية.
وكان لي الحظ أن أكون واحداً من أفراد الدفعة الأولي بين المُفرج عنهم.
ورأيتم يا سيادة الرئيس -وكان صواباً ما رأيتم- أن يكون الإفراج عملاً سياسياً وليس تصرفاً إدارياً - لتكون منه إشارة وبشارة، وهكذا فإن الذين أخذوا من بيوتهم بعنف السلطة عند منتصف ليل 3 سبتمبر 1981 - أفرج عنهم بلطف نفس السلطة في عز الظهر يوم 25 نوفمبر 1981، ومن مكتب رئيس الجمهورية، بعد لقاء كريم معه.
وفهمت مصر كلها معني الإشارة ووافقت، وهدأت خواطرها بالبشارة وانتظرت.
* * *
وأتذكر -يا سيادة الرئيس- أنني حين خرجت من مكتبكم مع بقية زملاء وأصدقاء تلك التجربة المثيرة، وجدت ممثلي الصحافة العالمية المكلفين بمتابعة أحداث مصر يحيطون بي ويركزون علي، ولعل اهتمامهم كان تعصباً من أبناء المهنة الواحدة لبعضهم، أو انعكاساً لعطف واسع مبعثه أن عمل أي كاتب جزء من شواغل قرائه.
وأتذكر أنني سُئِلت تلك اللحظة - وكانت الحوادث مازالت ساخنة والمشاعر التي أثارتها جياشة - عن رأيي فيما جري وسوف يجري.
ورويت للسائلين جزءاً مما سمعناه منكم قائلاً:
«إن الرئيس تحدث إلينا بأمانة عن أولوياته: قضية الأمن - وقضية العلاقات مع العالم العربي - وقضية مفاوضاته مع إسرائيل من أجل إتمام الانسحاب من سيناء».
وكان الرئيس واضحاً في تحديد أولوياته، صريحاً في عرضه للمشاكل التي يواجهها في كل واحدة من تلك القضايا.
ولقد طلب ما يريده في النهاية قائلاً:
- «أريد فتح صفحة جديدة في تاريخ مصر».
- «أريد حواراً مفتوحاً مع كل القوي الوطنية».
- «أعطوني وقتاً كافياً حتي أفكر في خياراتي».
وقد أجبناه جميعاً -وكنت بينهم- بنعم.
وسألوني:
- «وهل عرض عليك شيئاً».
وأجبت:
- «لم يعرض شيئاً، وأريد أن أقول لكم - هذه اللحظة وعلي الفور - إنني لست طرفاً في لعبة السياسة المصرية، ولا طرفاً في لعبة الصحافة المصرية، وليس هذا موقفاً جديداً، وإنما هو موقف قديم اتخذته منذ سنة 1975، حين عرض علي الرئيس «السادات» - يرحمه الله- عدة مناصب في الدولة - بينها منصب نائب للوزراء أو منصب مستشاره للأمن القومي - إلي جانب عدة مناصب في الصحافة - بينها العودة إلي الأهرام - شريطة أن «ألتزم»، وكان ردي هو الاعتذار عن مناصب الدولة لأنها خارج مهنتي، وقد قبلت بمنصب الوزير مرة واحدة ولمدة محددة في ظرف استثنائي، وأما عن الصحافة فقد كان ردي أنني لا أستطيع الالتزام إلا بما أقتنع به، ولم أغير رأيي من يومها، وحتي اليوم.
وفي كل الأحوال فإن الرئيس لم يعرض علي شيئاً، ثم إنني -من جانبي- لست علي استعداد لشيء».
وسألوني أيضاً:
- «وما الذي تنوي عمله؟».
وأجبت:
- «سوف أواصل ما كنت أفعله قبل السجن، أعيش في مصر وليس خارجها، وأكتب وأنشر كتبي في العالم (حتي وإن لم تنشر في وطني!)، وعندما كنت في السجن فقد خطرت لي فكرة كتاب جديد اخترت عنوانه فعلاً داخل الزنزانة وهو: «خريف الغضب»، وفيما عدا ذلك فإنني بالطبع لا أنوي مقاطعة الشأن العام، وأؤثر أن أتخذ لنفسي موضع وموقع المراقب المهتم، وهذا كل شيء».
وسألوني أخيراً:
- «ألم تتحدث برأي أثناء اجتماعكم بالرئيس؟».
وأجبت:
- «لقد اتفقنا ونحن في الطريق من السجن إلي قصر الرئاسة أن يتحدث عنا واحد منا فقط، ووقع اختيارنا علي الأستاذ «فؤاد سراج الدين»، باعتباره الأكبر سناً والأسبق عهداً بالعمل السياسي، وبالفعل فإنه هو الذي تولي الرد بالنيابة عنا فيما سمعناه من الرئيس».
وصحيح أن الرئيس تفضل في لحظة فنظر إلي وبادرت القول:
«إن مجرد حدوث هذا الاجتماع -وفي هذا المكان- أهم من أي كلام يقال».
ولم أزد.
ثم أضفت من عندي للسائلين:
- «إنني أحسست بإخلاصه فيما قال، وأنني أؤيده فيما طلب منا».
وأتاحت لي الظروف بعد ذلك -يا سيادة الرئيس- أن أسافر إلي لندن لعمل يتصل بنشر كتابي الذي جاءتني فكرته في السجن، ووجدت عنوانه في الزنزانة «خريف الغضب»، وفي لندن فتحت لي صحف الغرب وصحف العرب مساحاتها كما أشاء، وكنت أشعر أن ذلك دين في عنقي أؤديه إلي الذين وقفوا بجواري وحملوا قضيتي أثناء غيابي الإجباري عن الساحة، وتحدثت، وفي كل ما قلت هناك لم أخرج علي حدود ما سبق أن قلت هنا، وإن كنت توسعت -إلي حد ما - في التفاصيل. وحين عُدت من لندن وجدت حملة علي بسبب بعض ما قلت وبعض ما لم أقل، واكتفيت برسالة توضيح بعثت بها إلي «المصور».
قلت كلمتي ومشيت!
* * *
وانقضي عام كامل - يا سيادة الرئيس.
لم أتخل عن صمت فرضته علي نفسي - ولم أتخل في نفس الوقت عن اهتمام بالشأن العام يفرضه علي الواجب أولاً كمواطن، وثانياً -بعدها- كمواطن أتاحت له الظروف لسنوات طويلة أن يكون في صميم العمل الوطني والقومي، وبالقرب من القمة التي يصنع عندها القرار.
وكذلك تفرغت بالكامل لكتابي الجديد، وكنت أرفع رأسي بين فترة وأخري مما أنا منكب عليه، ثم أتلفت علي المسرح حولي وأتابع ما يدور في الوسط وفي الأطراف ووراء الكواليس وحتي وراء الحدود، ثم أصغي إلي الأصوات، وأتتبع الإشارات والإيماءات، والأضواء والألوان - أحاول أن أتأمل وأفهم وأستوعب...!
كانت الأحداث تسابق بعضها وأنا ساكت منتظر، وكانت المواقف تتغير وأنا ملتزم بمكاني وشاغلي.
كان تأييدي لكم هو آخر ما قلته قبل الصمت، وآخر ما وقفت عليه عندما آثرت السكوت.
وظل ذلك محسوباً علي وأنا قابل ومقتنع، ومازلت قابلاً ومقتنعاً حتي هذه اللحظة، ومن هنا -بالقطع- دواعي هذا الخطاب الذي أوجهه الآن مفتوحاً إليكم.
* * *
سيادة الرئيس
سؤالان لابد من الإجابة عليهما -أولاً- دفعاً لأي تأويل أو ظن.
أولهما: لماذا اتخذت لنفسي موقف الصمت والانتظار عاماً كاملاً؟
والثاني: لماذا أيدتك ومازلت أؤيدك حتي هذه اللحظة؟
إذا أذنتم لي -يا سيادة الرئيس- أن أحاول جواباً علي السؤال الأول، فإني سوف أختار أسلوباً يخرج علي المألوف، باستعمال النفي وصولاً إلي التأكيد، أي أنني سوف أركز علي ما لم يكن من أسبابي كي تظهر دواعي إلي اتخاذ موقف الصمت:
1- لم يكن من أسبابي للصمت أنكم تفضلتم بالإفراج عني، والحقيقة -وبدون تجاوز- أنني لا أعتبر ذلك ديناً علي لكم، فقرار الإفراج لم يختصني وحدي وإنما شمل الجميع غيري، ولم يكن عفواً خاصاً وإنما كان قرار سياسة عامة لها مقتضياتها التي تتعدي رغبات الأطراف.
ولكي أكون صريحاً إلي أبعد مدي، فإن هذا القرار لم يستفد به طرف واحد من أطراف العلاقة فيه، وإنما استفاد الطرفان.
صحيح أن القرار أعاد للمُفرج عنهم حقهم فيما فرض عليهم -لكنه من الصحيح أيضاً أن نفس القرار أعاد لسلطة الحكم نصيباً من شرعية ضيعتها بسلسلة من السياسات والإجراءات، آخرها مأساة «ثورة 5 سبتمبر».
إن شرعية النظم التي تعيش في ظلها معظم دول العالم الثالث لا تحققها -يا سيادة الرئيس- نتائج الاستفتاءات، لأن نتائج الاستفتاءات -علي افتراض صدقها- هي في الواقع شهادة صلاحية بدخول امتحان، ويجيء امتحان أي نظام بما يستطيع تحقيقه من منجزات تستحق القبول العام، وعندها تتبدي شرعية النظم.
وفي العالم الثالث عادة -وحيث لا مؤسسات بسبب تعثر نمو القوي الاجتماعية التي هي البناء التحتي لقيام المؤسسات- فإن رجلاً واحداً -في الغالب ولسوء الحظ- يملك سلطة القرار، وهذا الرجل الواحد يجيء أحياناً بزلزال ثورة أو حادثة، أو بذهاب رجل سبقه.
علي أن الوصول إلي قمة السلطة ليس شرطاً كافياً للشرعية، وإنما لابد لهذه السلطة أن تستجيب لحركة التاريخ، وتكون منجزاتها العملية بهذه الاستجابة أساس شرعيتها، مع ملاحظة أن شرعية رجل واحد ليست قابلة للإرث بواسطة رجل يليه علي كرسي الحكم. وهنا يصبح علي كل رجل جديد -وحتي تنمو القوي الاجتماعية في الوطن وتفتح طرقاً طبيعية، دستورية وقانونية للتطور والتقدم- أن يقدم الرجل الجديد موضوع -وليس مجرد شكل- شرعيته، وأن يؤكد هذه الشرعية بسياساته هو وليس بسياسات سواه.
أقصد أن أقول -يا سيادة الرئيس- إن قراركم بالإفراج عن المعتقلين كان واحداً من أسباب الموضوع في التقديم لشرعية حكمكم وتأكيد هذه الشرعية، مع أننا -الذين أفرج عنهم- استفدنا منه شخصياً.
أي أن العلاقة بين الأطراف متكافئة: لا ديون لأحد علي أحد، ولا كمبيالات، ولا شيكات بغير رصيد علي طريقة هذه الأيام!
2- لم يكن من أسبابي للصمت أيضاً أنكم الآن في الحكم وفي موضع القرار. ولقد سمعتكم بنفسي تقولون إنكم «لم تفكروا في رياسة الجمهورية ولم تسعوا إليها»، وأعرف أكثر من غيري أنه الصدق والحق. فلقد فرضت الظروف عليكم تبعات المنصب ومسؤولياته في أوقات يعلم الله فيها هموم الرئاسة وأثقالها. ومن ناحية أخري -ودون أن أتجاوز حدي أو قدري- فأنا واحد من ناس ليس لديهم ما يطلبونه من حاكم.
ولقد كنت أقول -ومازلت- ومرة أخري دون تجاوز -إن أي حاكم في مصر يملك في شأني قراراً واحداً هو اعتقالي إذا شاء، لكنه لن تكون لديه -عدلاً- مبررات لمثل هذا القرار، فأنا لم أخرج دقيقة واحدة في ممارستي لعملي العام علي حدود مهنة الصحفي دون خطوة واحدة بالزيادة، أو خطوة واحدة بالنقصان (فيما أتمني!).
ثم إنني -وقد أثبتت الظروف عملياً- لا أريد أن أكون ضمن طراز معين من الصحفيين.
لا أريد أن أكون ضمن هؤلاء الذين تنحني هاماتهم أمام الحكام في قصورهم، وترتفع هاماتهم أمام الحكام في قبورهم!
3- لم يكن من أسبابي -كذلك- أنني أصبحت أخاف بعد أن دخلت السجن لأول مرة في حياتي، فقد كنت أدرك منذ بداية اشتغالي بالمهنة أن السجن -وربما أسوأ- قدر يتربص بأي صاحب رأي في العالم الثالث. فصاحب الرأي في بلدان هذا العالم وحيد في مواجهة السلطة، وليس هناك من يجيره: لا قبيلة ولا مدينة - ولا أمير ولا خفير - ولا حدود أو سدود - أي أنه بدون كل أنواع الحمايات التي كانت توفرها حتي عصور البداوة والإقطاع في الماضي، أو عصور الدستور والقانون حيث تهيأت الظروف - فعلاً لا مجرد قول- لسيادتهما.
وفي خلافي مع الرئيس «السادات» بسبب اتفاق فك الاشتباك الأول، ثم تصاعد هذا الخلاف بعد فك الاشتباك الثاني، ثم وصول هذا الخلاف إلي الذروة بعد مبادرة القدس - فإن احتمال الاعتقال كان وارداً باستمرار، ونُصِحْت عشرات المرات أن أترك مصر وأعيش خارجها ولو لبعض الوقت، ولكني شكرت للناصحين حرصهم وبقيت في مصر حتي أغلقت علي بوابات السجن.
ولم أخف من السجن وكان بالنسبة لي عالماً غامضاً، وربما قلت الآن إن التجربة عرفتني بهذا العالم الغامض وأجوائه الموحشة، وفي كل الأحوال فلقد اعتقدت دائماً أن هناك ترفاً واحداً ووحيداً لا يستطيع أي صاحب رأي أن يسمح به لنفسه، وهو ترف الخوف.
وهكذا فإن داعي الخوف -علي فرض أن هناك ما يدعو إليه- لم يكن من أسبابي للصمت.
4- وربما سمحت لنفسي أن أضيف سبباً آخر من دواعي الصمت.
لقد كنت طرفاً في صدام طويل وعنيف مع الرئيس «السادات»، وكانت جبهة هذا الصدام واسعة تمتد إلي خياراته الداخلية والعربية والدولية بعد حرب أكتوبر، ولقد قلت رأيي فيها جميعاً، وفي حضوره، وأمام سلطته.
وقد انتهي هذا الصدام بوضعي في السجن، ثم ـ لسوء الحظ ـ باغتياله.
وتصورت أنني أحتاج إلي استعادة كل ما حدث ومراجعته.
ثم تصورت أن القفز من الأبواب الواسعة التي تفتحت للكلام قد يبدو تزيداً يستحسن تجنبه.
وتصورت أيضاً أن كلاماً كثيراً أقوله بعد الخروج من السجن قد يؤخذ مشوباً بمظنة تحامل، أو شهوة لتصفية الحسابات!
ومن ناحية أخري فقد كنت واثقاً أن مر الأيام والحوادث سوف يضع كل شيء وكل رجل أمام امتحان الحقيقة، وساعتها يكون الكلم في موضعه وبمنأي عن الظنون والشهوات.
ولقد لفت صمتي أنظار كثيرين، وتكرر علي سمعي سؤالهم عن بواعثه، وشاء بعضهم ـ بحسن نية ـ أن يجد تفسيراً يرضيه، فسألوني:
- هل يمكن أن يكون هذا الصمت في حد ذاته إعلان موقف؟
ـ وكان ردي أنني ـ بالطبيعة وبالمهنة ـ لا أستطيع إعلان موقف بأسلوب الصمت، لأن «الكلمة» ببساطة هي حياتي وعملي، وأنا أحاول أن أقولها موضوعية قدر ما أستطيع، وأحاول أيضاً أن أقولها بأسلوب لا يفتعل الحماسة ولا ينازل طواحين الهواء، عارفاً علي أي حال أن كل كلمة تحترم قارئها أو سامعها ـ لها إمكانية تأثير.
وإذن، فإن الصمت لم يكن موقفاً أعلنه ـ أو أخفيه ـ أياً كانت الظروف!
التفاصيل الكاملة لتعيين مبارك نائباً لرئيس الجمهورية.. ولماذا قلت «لابد أن تتاح له الفرصة أولاً للتعرف علي مشاكل الناس»
15/1/2008
لقد شرحت أمامكم سيادة الرئيس ما لم يكن بين أسبابي لاتخاذ موقف الصمت، ولعله من المناسب الآن ـ منطقياً ـ أن أحاول الرد علي السؤال الثاني الذي طرحته من قبل وهو: «لماذا أيدتك، وتركت هذا التأييد قائماً ـ صراحة وضمنا ـ حتي هذه اللحظة»؟
ـ أستأذنكم مرة أخري في شرح أسبابي، وأكثر من ذلك ـ هذه المرة ـ أرجوكم ـ أن تفسحوا لي صدركم وصبركم، لأني أريد وضع بعض النقاط علي بعض الحروف حتي لا يكون هناك التباس تتشابك وتختلط به الأمور.
1 ـ إنني ـ يا سيادة الرئيس ـ تابعت سجلكم في الخدمة العامة بأقرب مما يخطر لكثيرين.
وأقول ـ والله شاهد ـ كما أن هناك شهوداً من البشر أحياء ـ إني كنت موجوداً في مكتب «جمال عبدالناصر» حينما وقع الاختيار عليكم لرئاسة أركان حرب سلاح الطيران في الأوقات العصيبة من حرب الاستنزاف، والاستعداد بعدها لعبور قناة السويس بالقوة المسلحة طبقاً لخطة «جرانيت (1)».
ولقد رأيت بنفسي وسمعت ـ كصديق مقرَّب ـ كيف استقر رأي «جمال عبدالناصر» عليكم لهذه المهمة في تلك الأوقات، وكان ذلك بناء علي ما ورد في التقرير السري بملف خدمتكم بأوصاف ـ «وطني ـ كفء ـ لديه ملكة القيادة».
ثم كان لي بعد ذلك شرف الاشتراك في مناقشة الخطة العامة للعمليات. فقد شاءت المصادفات أن أكون وزيراً للإرشاد القومي وقتها، وأن أكون ـ بهذه الصفة ـ عضواً في مجلس الأمن القومي، وكان «جمال عبدالناصر» يناقش مع هذا المجلس مجتمعاً، ومع بعض أعضائه فرادي ـ كثيراً من مشاكله وشواغله.
وفوق ذلك فقد كانت لدينا في الأهرام ـ تلك الأيام الخوالي ـ وحدة عسكرية ضمن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ضمت صفوة من خيرة العسكريين المصريين، وكانت هذه الوحدة التي رأسها اللواء «حسن البدري» الذي كان مؤرخاً رسمياً للجيش المصري ـ وكما هو الحال في مثيلاتها في أي بلد يقدِّر العلم ـ طرفاً محاوراً في المناقشات الدائرة حول الخطوط الرئيسية لاحتمالات العمل المسلح وإمكانياته.
وكان دور الطيران ـ بالطبع ـ نقطة مهمة في المناقشات الرسمية وغير الرسمية التي امتدت وتشعبت شهوراً طويلة وسنوات.
وعندما جاءت لحظة الحق بمعارك أكتوبر، فإنني رُحت أتابع في الواقع كل ما كنا نتحدث عنه بالتصور، وقد وُضع للاختبار تحت لهب النار.
وربما تذكرون ـ يا سيادة الرئيس ـ أنني أثناء تلك المعارك كتبت مقالاً رويت فيه طرفاً من حوار دار بينكم وبين طيار إسرائيلي أسير سقطت طائرته، وأنتم هناك في قاعدة المنصورة تراقبون وقائع غارة جوية.
وجاءوا بالطيار الأسير أمامكم، وكانت لكم ملاحظات علي الطريقة التي تصرف بها إزاء الدفاعات الجوية المصرية، وقلتم له:
- ماذا جري لكم هذه المرة، إنكم تغيرتم؟
ورد الطيار الإسرائيلي عليكم:
ـ نحن لم نتغير يا سيدي، ولكنكم أنتم الذين تغيرتم!
كان الرئيس «السادات» نفسه هو الذي نقل إلي الواقعة، وكان هو الذي نقل إلي فيما بعد دهشتكم للطريقة التي وصل بها هذا الحوار إلي وبهذه السرعة، فنشرته ضمن مقالي الأسبوعي.
تذكرون ذلك ـ يا سيادة الرئيس ـ وأنا أيضاً أذكره.
أذكره لكي أدلل فقط علي أنني كنت أتابع عن كثب سجل «وطني ـ كفء ـ لديه ملكة القيادة».
2 ـ إن التاريخ كان كريماً معي ـ يا سيادة الرئيس ـ عندما أتاح لي فرصا كثيرة رأيت فيها لمحات من وقائعه وهي لاتزال بعد في مرحلة الخلق الأولي.
ومن هذه الوقائع علي سبيل المثال، واقعة اختياركم لمنصب نائب رئيس الجمهورية.
تذكرون ـ ياسيادة الرئيس ـ أنني كنت قريباً من الرئيس «السادات» حتي اختلفنا بسبب فك الاشتباك الأول، فافترقنا وحلت بيننا قطيعة، تفضل هو وأنهاها بعد سبعة أشهر ـ أي في أكتوبر 1974، وعُدت قريباً منه حتي وقع فك الارتباط الثاني في صيف 1975، فكان فراقنا شبه النهائي!
وبالتالي فإنني كنت هناك ـ يا سيادة الرئيس ـ خلال تلك الشهور الحاسمة من ربيع سنة 1975.
كنت هناك في الداخل شاهداً علي عملية صنع القرار.
ولو أذنتم لي ـ يا سيادة الرئيس ـ فإنني أريد أن أروي لكم طرفاً من وقائع تلك الأيام، ولعلي أتجاسر ـ دون تجاوز ـ فأقول إن بعضه قد يكون جديداً عليكم، لكنني قبل أن أرويه أريد أن أقول لكم بإخلاص عبارة تبدو سابقة لموضعها، وأظن أن مغزاها الحقيقي لا يتضح بكامل أبعاده إلا في الختام، وليس في السبق والتقديم، وهذه العبارة هي:
«سيادة الرئيس، إنك لست مديناً لأحد، لقد أرادوك لهم، ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون دائماً».
وإذا بدت لكم هذه العبارة في هذا الموضع من الحديث لغزاً، فلعلي أطمح أن يتسع صبركم وصدركم لصفحة من تاريخ مصر وثيقة الصلة بكم أعرض عليكم تفاصيلها.
في بداية سنة 1975، كان الرئيس «السادات» يري بوادر أزمة تتجمع سحبها من حول نظامه.
كانت إسرائيل تعاند معه بعد فك الارتباط الأول وتلح عليه لتنفيذ تعهدات قطعها علي نفسه أثناء المحادثات السرية لفك الاشتباك الأول، ولم يكن هو بعد مستعداً للتنفيذ «وهذه حكاية سوف تكشف الأيام كثيراً من خباياها، وإن لم يكن هذا هو الوقت المناسب لها الآن».
وكان الرئيس «السادات» أيضاً يواجه موقفاً صعباً في العالم العربي، لأن توقيعه منفرداً علي فك اشتباك للقوات علي الجبهة المصرية وحدها، أثار من حول تصرفاته شكوكاً راح جاهداً يحاول إسكاتها. وزاد الموقف العربي تعقيداً لأن «هنري كيسنجر» لم يقترب من الجبهة الأردنية بتحرك من أي نوع، ثم إن العقد استحكمت حين وافق مؤتمر القمة في الرباط ـ أكتوبر 1974 ـ علي اعتبار منظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.
وفي داخل مصر، فقد بدأ شعور بالتململ يطفو علي السطح، تعبيراً عما كان يدور في الأعماق.
كانت الحرب قد جاءت وانتهت، وحل فض الاشتباك الأول وتم توقيعه، وزار الرئيس الأمريكي «ريتشارد نيكسون» مصر، فلقي فيها استقبال أبطال، وعاد إلي أمريكا ليخرج مطروداً من البيت الأبيض، وبدأت سياسة الانفتاح ونشطت، لكن الآمال التي تعلقت بهذا كله علي مستوي المواطن المصري لم تتحقق، بل علي العكس فقد بدا أن ظروف الحياة تزداد صعوبة يوماً بعد يوم.
وحدثت اضطرابات واعتصامات في المصانع، ثم خرجت مظاهرات إلي الشوارع كان بعضها نذيراً، كما أن بعضها بدا غريباً، ومن ذلك أن إحدي المظاهرات مثلاً كانت موجهة إلي رئيس الوزراء في ذلك الوقت ـ الدكتور «عبدالعزيز حجازي» ـ وكان الهتاف الذي رددته هو «حكم النازي ولا حكم حجازي»، وكان التشبيه لافتاً للنظر، فلم يكن منطوقه مما يخطر تلقائياً علي بال متظاهر مصري عادي. وبدأ رئيس الوزراء ـ وله الحق ـ يشك أن هناك من يوجه هذه المظاهرات لغرض لديه وهدف.
وكان الواضح أن النظام يواجه حالة شبه انكشاف من خارجه،كما أنه يواجه شبه انشقاق من داخله!
وكان الرئيس «السادات» يتابع هذا كله بمهاراته الخاصة التي اكتسبها من تجربته الذاتية، وكانت له ـ يرحمه الله ـ طريقة تفرد بها في حساب الأمور وتقديرها والتصرف حيالها!
وقابلته في استراحة القناطر يوم الثلاثاء 25 فبراير «1975»، وكان قد فرغ لتوه من اجتماع مع رئيس وزرائه الدكتور «عبدالعزيز حجازي» الذي كان عائداً من زيارة رسمية للندن، ووجدت «السادات» في حالة «ضيق شديد» «هكذا سجلت يومها في أوراقي».
وقادنا الحديث إلي الظروف الداخلية، وتكلم هو وتكلمت، وكان بين ما قاله: «هناك من يتآمرون علي النظام، هناك مؤامرة واسعة».
واستطرد الرئيس «السادات» قائلاً:
(إنني استدعيت «سيد مرعي» «رئيس مجلس الشعب وقتها ـ قابله يوم 18 فبراير»، وكان «سيد» متخوفاً «هناك مجموعة في مجلس الشعب «انفلت عيارها»).
واستدعيت بعده «ممدوح سالم» «نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية وقتها ـ قابله يوم 19 فبراير»، وممدوح يري أن الحالة سيئة لأن الوزارة لا تعمل شيئاً.
واليوم قابلت «حجازي» «رئيس الوزراء ـ المقابلة يوم 25 فبراير»، وحجازي يقول إن الوزارة تعمل، ولكن هناك من يضعون العراقيل أمامها.
وعندما جاء دوري للكلام اقترحت علي الرئيس «السادات» أن يعقد اجتماعات لكل أركان النظام، ويناقش معهم «علي المائدة» أسباب الأزمة، ويحاول التعرف علي الحقائق في حضورهم جميعاً بدلاً من مقابلة كل طرف علي حدة، فمقابلة كل طرف علي حدة لا تسفر إلا عن شكوي، أما اجتماع الكل «حول مائدة» فهو مناقشة يؤدي حوارها ـ ربما ـ إلي حلول، أو علي الأقل إلي حقائق بدلاً من الشكاوي.
وأخذ الرئيس ـ مشكوراً ـ باقتراحي، ودعا الكل إلي اجتماع صباح يوم السبت أول مارس 1975 ـ ثم دعاني إلي لقائه مساء نفس اليوم في استراحة القناطر «ونقلا عن أوراقي» بادرني بقوله: «ياه يا محمد»، لقد كنت جالساً علي بركان وأنا لا أشعر، واليوم فجرت الموقف، وفوجئت بهم جميعاً «تركبهم» العقد، إن حجازي شبط في ممدوح وكانت «حوسة»!
وراح يروي لي بعد ذلك تفاصيل الاجتماع، ثم قال:
إن «حجازي» يؤكد أن الموقف (الاقتصادي) طيب، وقد ذكر أنه سوف يكتب تقريراً عن الصورة العامة بتفاصيلها، ويقدمه لي في ظرف أسبوعين، وقد أجلنا استكمال المناقشة حتي يعد تقريره.
وبعد خمسة عشر يوماً بالضبط أنجز الدكتور «عبد العزيز حجازي» ما وعد، فسافر إلي أسوان، لو كان الرئيس «السادات» قد ذهب إليها لاستكمال مفاوضاته مع «كيسنجر» (بهدف الوصول إلي اتفاق ثان لفض الاشتباك علي الجبهة المصرية)، وهناك قدم الدكتور «عبدالعزيز حجازي» تقريره المنتظر إلي رئيس الجمهورية (كان لقاؤهما يوم 15 مارس).
وفي يوم 19 مارس استدعاني الرئيس «السادات» إلي أسوان ولقيته في الساعة الحادية عشرة صباح يوم 20 (مارس) في استراحته في أسوان، وكان مهموماً، لأن محادثاته مع الإسرائيليين عن طريق «كيسنجر» تمر بمرحلة حرجة بسبب تعنُّت «جولدا مائير» حتي مع «كيسنجر».
ورُحت أطمئنه إلي أن احتمال فشل محادثاته مع «كيسنجر» ليس فيه ما يدعو إلي الأسي، وكان بين ما قلته له:
ـ «أنت أقوي بغير اتفاق، منك باتفاق سييء».
وسألني:
* «وماذا نقول للناس، وقد وعدت مجلس الشعب بأن أتحدث إلي أعضائه عن نتائج المحادثات؟»
وقلت له علي الفور:
ـ لا تحمل لذلك همَّاً، وإذا أردت فإنني علي استعداد لكتابة خطابك أمام مجلس الشعب».
واتفقنا علي معظم نقاط هذا الخطاب، ثم اختلفنا علي نقطة واحدة وهي التردد بين فتح قناة السويس أو استمرار إغلاقها، وكان رأيي فتحها للملاحة لعدة أسباب شرحتها، بينما كان رأيه استمرار إغلاقها لأن «إخواننا» العرب قد يسيئون معني فتحها الآن!
وقلت له: «إن فتحها مع فشل المحادثات، وبقرار مصري منفرد، خير ألف مرة من فتحها نتيجة لاتفاق يحمل ضمناً موافقة أطراف أخري».
وانتقل فجأة إلي الموضوع الآخر ـ أي الشأن الداخلي، قائلاً:
- «حجازي جاء إلي هنا وقدم لي تقريره، لم أقرأه، خذه أنت واقرأه، ثم قل لي أهم ما فيه».
(وأخذت تقرير الدكتور «حجازي» بمقدمته المكتوبة بخط يده، ولايزال ضمن أوراقي حتي هذه اللحظة، ولم يسألني عنه الرئيس «السادات» فيما بعد، رغم أنه من أهم وثائق تلك المرحلة).
ومرة ثالثة انتقل الرئيس «السادات» إلي موضوع آخر، وهو الاعتصامات التي قام بها العمال في مصانع المحلة الكبري، وكان ظنه أن «الشيوعيين» وراء هذه العملية، وأن تنظيمها يحمل بصماتهم، وكان لي رأي مختلف شرحته له.
وعُدت إلي القاهرة يوم 21 مارس منشغلاً بإعداد مشروع خطاب الرئيس أمام مجلس الشعب، واتصل بي الرئيس من أسوان يقول لي إن «كيسنجر» لن يعود إلي مصر، وذلك معناه فشل المحادثات. ثم سألني «عن المدي الذي وصلت إليه في إعداد خطابه». وقلت «إن الخطاب جاهز، وإنني كتبته علي أساس إعادة فتح قناة السويس وليس علي أساس استمرار إغلاقها، وأنني فكرت طويلاً في الموضوع، وازددت اقتناعًا برأيي، وسوف أشرح له وجهة نظري حين يجيء إلي القاهرة».
وفي اليوم التالي اتصل بي ليقول: «إن عاصفة رملية هبت علي أسوان وعاقت قيام طائرته».
وفي صباح 24 مارس توجَّهْت إلي مقابلة الرئيس «السادات» في استراحة القناطر التي قصد إليها مباشرة بعد عودته من أسوان، وتناقشنا طويلاً في كل الأوضاع.
وفي مساء 25 مارس كنت معه مرة أخري ضيف عشاء في استراحة القناطر أقرأ عليه - بحضور المهندس «سيد مرعي» - مشروعي الكامل لخطابه أمام مجلس الشعب. وكان لايزال مترددًا في اقتراح فتح قناة السويس، لكنه بدا مأخوذاً باستعداده للسفر في اليوم التالي إلي الرياض لتقديم العزاء في وفاة الملك «فيصل» (الذي اغتاله أحد أبناء أخ له)، وتقديم التهنئة للملك «خالد» (الذي خلف «فيصل» علي عرش السعودية). وغادرت استراحة القناطر بعد منتصف الليل مع المهندس «سيد مرعي»، الذي راح يسأني طوال الطريق إلي القاهرة عن سبب إصراري علي فكرة فتح قناة السويس، وتأثير ذلك ونتائجه، قلت لسيد مرعي:
«عدا كل ما ذكرت أمامك وأمامه من أسباب فإني أشعر أن الرئيس يتعجل اتفاقًا ثانيا لفك الارتباط مع إسرائيل، وحجته استعادة دخل بترول سيناء، لكنه بهذا الاقتراح الذي طرحته عليه يستطيع فتح القناة، والحصول علي إيراداتها بقرار مصري مستقل ومنفرد، وهو بذلك يوفر لنفسه نصف مطالبه دون أن يوقع علي ورقة أتمثلها أمامي بالغة السوء»!!
* * *
سيادة الرئيس
تري أنني أطيل في رواية التفاصيل، لكني أريد أن تكون الصورة كلها أمامك بكل خباياها لكي تعرف ولكي يعرف الكافة «أنك لست مدينا لأحد، وأنهم أرادوك لهم ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون دائمًا».
وأعود إلي ما كنت فيه - بإذنكم - وأعِدْ بأن أختصر.
عاد الرئيس «السادات» من الرياض.
وألقي خطابه في مجلس الشعب، آخذا بوجهة نظري في فتح قناة السويس.
لكن بوادر الأزمة في الداخل راحت تضغط عليه، وأحسست من مناقشات طويلة معه حول ما يجري، أن الصورة الاجتماعية - الاقتصادية - وبالتالي السياسية ليست واضحة بالقدر الكافي، وأن تركيزه يبدو لي أكثر من اللازم علي «مسألة الأمن».
ثم كان لقاء آخر بيننا يوم 2 أبريل 1975، وفي استراحة القناطر أيضًا. وأثناء هذا اللقاء قلت له:
«إن النظام في اعتقادي يجتاز أزمة، وأعتقد أنه - شخصيا - مُطالب بالتفكير فيها بعمق. وبصراحة فأنا أظن أن النظام يواجه أزمة هوية، تتطلب منه أن يعيد تحديد القوي التي يمثلها بالضبط».
وسألني الرئيس «السادات»:
«ما الذي تقصده؟».
وقلت:
«إن أي نظام في الدنيا يمثل ويستند علي قوي اجتماعية معينة، فما هي القوي التي يمثلها ويستند عليها هذا النظام الآن؟».
ومرة أخري سألني:
«ماذا تقصد؟».
وقلت له:
«سوف أكون صريحًا إلي أبعد حد وأسألك بدوري سؤالاً محددًا: لماذا أنت الآن الرئيس (أنور السادات)؟.
واستطردت مواصلاً السؤال: «لو أن الأمور كانت طبيعية - وكان حظك في الترقية طيبًا - لكنت الآن علي أكثر تقدير (العميد) أو (اللواء) أنور السادات، لكنك اليوم رئيس الجمهورية، فما الذي يعنيه ذلك؟».
وأجبت علي سؤالي:
إنه يعني ببساطة أن تغييرًا اجتماعيا كبيرًا حدث بعد 23 يوليو 1952، وبمقتضي هذا التغيير سقط نظام كانت له قواعده الاجتماعية والسياسية، وقام بدلاً منه نظام آخر يمثل ويستند إلي قوي اجتماعية تحمي شرعيته، بدلا من حماية الاحتلال البريطاني، وذلك ما كنا نسميه تحالف قوي الشعب العامل: الفلاحون والعمال والرأسمالية الوطنية والمثقفون والجنود.
والسؤل الذي يجب أن نوجهه لأنفسنا الآن - خصوصًا بعد سياسة الانفتاح - ملخصه: «هل مازالت القاعدة الاجتماعية للنظام كما كانت، أم أنها تغيرت؟»، رأيي أنها تغيرت. ولست بذلك أصدر حكمًا في الموضوع، ولكني فقط أريد أن ألفت النظر إلي حدوث تغيير في التركيب الاجتماعي، الذي كان النظام يعتمد ويستند عليه، وإذا سألتني رأيي فإن النظام يواجه بالدرجة الأولي أزمة هوية لأن تمثيله للقاعدة السابقة - الآن - موضع شك، ثم إنني لست واثقًا أن التغييرات الطارئة جاءت للنظام بما يستطيع أن يستند ويعتمد عليه!.
وأضفت:
«ومع أن تلك تبدو قضية فلسفية، إلا أنني أعتبرها صميم الموضوع، لأن الهوية الاجتماعية لأي نظام هي جواز مروره إلي السلطة ومبرر بقائه فيها، لأننا لسنا مجتمعًا ملكيا تستمد السلطة فيه شرعيتها من الحق الإلهي للحاكم.
وعليه فإنك إذا حددت من أنت؟ سهل عليك بعده أن تقرر ما الذي يتعين عليك أن تفعله».
كنا ساعة هذا الحديث - يا سيادة الرئيس - في استراحة القناطر كما سبق وقلت، وكنا نجلس تحت ظلال شجرة «الفيكس» العتيقة وسط حديقة الاستراحة، وكان هو ممددا علي مقعد طويل «شيزلونج»، وكنت جالسًا علي مقعد أمامه، وأقداح الشاي والقهوة تروح وتجيء كما هي العادة.
واعتدل في مقعده وراح يرد علي ما قلته، وشدنا حوار طويل ليس الآن مجاله، لكنه توقف لحظة ثم قال:
«أنت تحدثت عن قوي الشعب العامل، وهذا التحالف الذي كانوا يتكلمون عنه بينها، فهل تريد أن تعرف رأيي في الموضوع؟ - وبدوره رد بنفسه علي سؤاله.
الفلاحون في حالهم، والعمال لا يحركهم إلا الشيوعيون، والرأسمالية الوطنية سعيدة بسياسة الانفتاح، المشكلة كلها فيمن تسمونهم بالمثقفين، هؤلاء الأفندية الذين لا عمل لهم إلا إثارة المشاكل».
واستطرد:
«هذه المنشورات، من يطبعها ويوزعها؟ وهذه الإضرابات والاعتصامات، من يحركها وينظمها؟ وهذه الإشاعات، من ينشرها ويروج لها؟».
وفجأة قال:
«لكن هؤلاء جميعًا (يا خيبتهم الثقيلة) نسوا مسألة مهمة، نسوا القوة الخامسة فيما كانوا يسمونه تحالف قوي الشعب».
تحدثوا عن الفلاحين والعمال والرأسمالية الوطنية والمثقفين، ثم نسوا الجنود.
«فليتفضل» هؤلاء جميعًا ويواجهوا القوة الخامسة، وسوف نري النتيجة».
وأبديت رأيا بشأن تلك القوة الخامسة باعتبارها جزءًا من تركيبة الشعب.
وفي هذا الموضع من الحديث فقد انتابني إحساس غريب - يا سيادة الرئيس - إذ شعرت وكأن الرجل لم يكن يتحاور معي، وإنما كان يتحاور مع نفسه، أو كأن فكرة تطوف برأسه - وجدت ثغرة طفت منها دون قصد علي سطح الكلمات.
يوم 4 أبريل كنت عنده مرة أخري لحديث متصل عن الموقف الداخلي، وكان في خطابه أمام مجلس الشعب (يوم 29 مارس) الذي تحدث فيه عن قصة محادثاته مع «كيسنجر»، وقرر في سياقه إعادة فتح قناة السويس - قد أعلن أنه سوف يعود قريبًا إلي المجلس بخطة لمواجهة مشاكل الداخل.
وشرحت له ما أتصوره حول بعض النقاط التي يجب أن يتضمنها خطابه أمام مجلس الشعب بالنسبة للموقف الداخلي، وحددت ثلاث نقاط:
* ضرورة أن يظهر أمام الناس أن الثورة ليست ثورتين، وأن العهد ليس عهدين، وأنه يستطيع أن يغير ما تقتضي الظروف تغييره مما كان - دون تناقض بين الأمس واليوم، لأن هناك قوي تحاول لصالحها ولأهدافها أن تفتعل معركة لا لزوم لها بينه وبين «جمال عبد الناصر».
* ضرورة أن يحدد أمام الناس أنه يريد مجتمعًا للمنتجين وليس مجتمعًا لأصحاب الملايين، وأن يشير إلي ما يجري من أعمال الفساد والإفساد.
* ضرورة أن يلمس أمام الناس مشكلة الغلاء وارتفاع الأسعار، الذي جعل من المستحيل علي أي أسرة متوسطة الحال أن تعيش وتواجه أعباءها، وبالتالي إظهار عزمه علي مواجهة هذه المشكلة.
ووافقني الرئيس «السادات» علي ما اقترحت، وكانت له هذه الخاصية المدهشة، وهي «أن يترك من يشاء يقول ما يشاء ثم يتصرف هو كما يشاء»، وحتي لو ورد القول في النهاية علي لسانه هو، فإنه لم يكن يعتبر القول ملزمًا.
وحين فرغت من عرض ما أردت ووافقني عليه، وجدته يطرح علي سؤالاً، أعترف أنني كنت بالإحساس أتوقعه، قال دون مقدمات:
- إنني أفكر فى تغىىر الوزارة، ما رأىك؟ ومن تقترح لرئاستها؟
وابتسمت، فقد درنا حول هذا الموضوع ضمنًا دون أن نقترب منه صراحة.
وقلت له (مرة أخرى نقلاً عما سجلت فى أوراقى، فلست من أنصار الاعتماد على الذاكرة):
«إنك تعرف رأىى فى قضىة التغىىر، وهو أن القضية ليست استبدال وجه بوجه غيره - دفعًا للملل، وإنما القضية في نظري هي:
أولاً: مطلوب يراد تحقيقه.
وثانيا: رجل - أو رجال يقدرون علي تحقيق هذا المطلوب.
ولذلك فإني دائمًا أرجوك تحديد ما تريد، وعلي أساسه تختار من يستطيع».
ورد علي بقوله:
«إننا سوف ندخل في متاهات بهذا الشكل، وأن المسألة أبسط من ذلك، فـ (حجازي) لا يصلح للمرحلة القادمة».
واختصرت الطريق، فقلت له:
«أظنني أعرف، أنت تريد (ممدوح سالم) رئيسًا للوزراء؟!».
وأصبحت الأوراق مكشوفة، وسألني:
«وما اعتراضك علي «ممدوح»؟.
وقلت له:
«بالعكس، إنني لا أعرف الرجل عن قرب، وإن كان الذين عرفوه يشهدون له بمن فيهم أنت، لكن المسألة أكبر، لأن كل الناس سوف يفهمون مجيء (ممدوح سالم) إلي رئاسة الوزارة علي أنه - شئنًا أو لم نشأ - إجراء أمن. ومهما كانت مزايا الرجل، فإن وظيفته الأصلية سوف تعطي وزارته أمام الناس طابعًا لا يمكن إنكاره».
وراح يهز رأسه، وشعوري أنه اتخذ قراره، وقلت مستسلمًا:
«علي أي حال ليكن، مادام ذلك ما تريد. وعلي أي حال فإن مجيء «ممدوح سالم» إلي رئاسة الوزارة ينهي ازدواجية في الحكم عانينا منها طويلاً».
ورمقني بنظرة مشهورة له تحمل مزيجًا من الاستنكار والاستفسار، وقلت:
«أقصد أنه منذ بدء رئاستك كان تفويضك الرسمي - باستمرار - لرجل، وكانت ثقتك الفعلية - باستمرار - في رجل آخر.
كان تفويضك الرسمي - مرة - للدكتور (محمود فوزي) - أول رئيس لوزرائك - وكانت ثقتك الفعلية في وزير داخليته (ممدوح سالم).
وبعد وزارة الدكتور (فوزي) - كان تفويضك الرسمي للدكتور «عزيز صدقي» رئيسًا للوزراء، وكانت ثقتك الفعلية في نائبه ووزير داخليته (ممدوح سالم).
وبعد ذلك تركت منصب نائب رئيس الوزراء للدكتور (عبد القادر حاتم)، وكانت ثقتك الفعلية في النائب الثاني ووزير الداخلية (ممدوح سالم).
وأخيرًا كان تفويضك الرسمي للدكتور (عبد العزيز حجازي) رئيسًا للوزراء، وكانت ثقتك الفعلية مرة أخري في نائبه ووزير داخليته (ممدوح سالم).
وكان ذلك يخلق حالة ازدواجية في السلطة تسببت في مشاكل وحساسيات.
والآن فإن تعيين(ممدوح سالم) رئيسًا للوزراء يدمج تفويضك الرسمي وثقتك الفعلية في نفس الرجل الواحد، وبهذا تنتهي ازدواجية السلطة».
وابتسم ابتسامة عريضة وقال:
«برافو» (كلمته بالحرف) «برافو يا محمد، إنك فهمت ما كان في رأسي وما لم أقله لأحد». وأضاف: «كأنك نفذت إلي الكمبيوتر الموجود هنا»، وأشار إلي مؤخرة رأسه.
وكنت واثقًا أن أسبابنا مختلفة، ولم يكن هناك ما يدعو إلي جدل لا فائدة منه!
والتقينا - هو وأنا - مرة أخري - يا سيادة الرئيس - وفي استراحة القناطر أيضًا، وكان ذلك علي الغداء يوم 6 أبريل، وواصلنا الحديث في الشؤون الداخلية، وخلال حوار متصل، توقف ثم انتقل إلي موضوع لم يكن متصلا بسياق ما كنا نتكلم فيه - قال:
«لدي فكرة خطرت لي منذ أيام، وأدرتها في رأسي كثيرًا.
(الحاج حسين) - نص تعبيره، وكان يقصد السيد (حسين الشافعي) - لم يعد ينفعني، وقد جاء الوقت لكي (يمشي) - نص تعبيره أيضًا - رجال هذا الجيل (جيل 23 يوليو)، كانوا جميعًا عبئًا علي (جمال)، ولا أعرف كيف تحمَّلهم، أنا الآن أريد أن أفسح المجال لجيل 6 أكتوبر».
ونظر إلي ينتظر رد فعلي علي ما قال، ولم أنبس بكلمة، واستطرد هو:
«لقد فكرت في تعيين نائب جديد للرئيس، وأريد واحداً من جيل القادة الذين حاربوا في 6 أكتوبر، وهنا عد علي أصابعه أسماء القادة الخمسة الذين تصدروا معركة أكتوبر».
ومرة أخري لم أنبس بكلمة، بينما هو يتفرس ملامحي. ويشرح ويفصل لعدة دقائق رأيه في كل واحد من الخمسة، بما في ذلك مزاياه وخصائصه، ثم توقف لثوان واستأنف ليقول:
- يكاد رأيي أن يستقر علي «حسني مبارك».
وكنت أصغي إليه بجوارحي، وألقي بورقته الأخيرة الرابحة، وهو يقول: «حسني» أفضلهم جميعاً، ثم «وقفة أخري واستطرد بعدها»، «محمد»، لا تنس الدور الخاص للطيران، نحن مقبلون علي أوقات صعبة، ومن يضمن الطيران يستطيع أن يواجه أي احتمالات في البلد».
وجاء دوري لأتكلم، وكان بين ما قلت «إنني أعرف رأي جمال عبدالناصر» في «حسني مبارك»، كما أنني أعرف دور «حسني مبارك» في إعداد الطيران وقيادته في معارك أكتوبر، ولكني أخشي أنه بهذا التعيين يظلمه.
أمام الناس قد تبدو دلالات هذه التعيينات مدعاة لكلام كثير، لأن رئاسة ممدوح سالم للجهاز التنفيذي سوف تبدو «بولسة» للوزارة.
ونيابة «حسني مبارك» له سوف تبدو عسكرة للرياسة.
وذلك كله سوف يعطي انطباعاً بأننا علي وشك دخول «مرحلة قمع» أو «مرحلة ضبط وربط» في أحسن الأحوال، وليس ذلك في صالح المرحلة ذاتها.
(ومع ذلك فقد اقترحت ـ وأرجوك أن تغفر لي يا سيادة الرئيس ـ أن تتاح لك الفرصة قبل «نيابة الرئيس» لتتعرف علي جهاز الدولة وعلي مشاكل الناس، ويكون ذلك عن طريق توليك عدة مناصب وزارية تضعك وجها لوجه أمام ظروف الحياة المدنية، وبعدها يكون دخولك إلي قمة السلطة السياسية خطوة طبيعية).
في يوم 11 أبريل ـ كما تذكرون يا سيادة الرئيس ـ استقبلكم الرئيس «السادات» وعرض عليكم منصب نائب الرئيس.
وفي يوم 14 أبريل صدر قراره بتعيين السيد «ممدوح سالم» رئيساً للوزراء.
وفي يوم 15 أبريل صدر القرار الجمهوري بتعيينكم نائبا لرئيس الجمهورية
* * *
سيادة الرئيس
عفوك إذا بدا أنني أنتقل الآن بهذا الحديث نقلة بعيدة، قد تبدو غريبة أو مستغربة، عائدا اثني عشر عاما إلي الوراء، لأذكر وأستذكر أنني في النصف الثاني من نوفمبر والنصف الأول من ديسمبر 1979 ـ ذهبت لدواعي عملي إلي طهران.
وأيامها كنت أكتب عن الثورة الإيرانية لمجموعة صحف «التيمس» البريطانية، وسألوني في «التيمس» ومعهم مجموعة الناشرين الدوليين الذين ينشرون كتبي، إذا كنت مستعدا لكتاب كامل عن هذه الثورة، ولم يكن ذلك ضمن جدول أعمالي في ذلك الوقت، فقد كنت فرغت من كتاب عن «العلاقات العربية السوفيتية»، صدر فعلا سنة 1978، وكان برنامجي الطبيعي بعد ذلك أن أكتب عن «العلاقات العربية الأمريكية»،
وبدا لي أن كتابا الآن عن الثورة الإيرانية يعترض السياق الطبيعي لعملي، لكن الثورة الإيرانية كان فيها ـ تلك الأيام ـ ما يستهويني، خصوصا بعد لقاءات مع الإمام «الخميني» في باريس، كتبت عنها في حينه مجموعة من المقالات «أربعة بالعدد»، وكحل وسط فقد اقترحت علي الناشرين أن يعطوني فرصة قبل أن أرد نهائياً علي عرضهم، طارحا أنني سوف أتصل بـ «آية الله الخميني» في «قم» أسأل «إذا كانوا مستعدين لفتح الملفات والوثائق عن عصر الشاه أمامي دون قيود» ـ في هذه الحالة أكتب الكتاب، وفي غيرها ألتزم ببرنامجي الأصلي الذي لا تدخل فيه الثورة الإيرانية، وجاءني الرد من «قم» بالموافقة. وهكذا مضيت إلي إيران أقابل من أريد، وأسأل وأسمع، وأقلب بين يدي ملفات القصور والوزارات في العصر الشاهنشاهي.
وذات يوم في قصر «نيافاران»، وفي مكتب الشاه ظهرت أمامي وثيقة من محفوظات القصر، قرأتها وأعدت قراءتها مرات، ثم استأذنت في صورة منها. كانت هذه الوثيقة مذكرة أمريكية مقدمة لشاه إيران تنصحه بما يجب أن يفعله بعد القضاء علي ثورة «مصدق».
إنني ـ يا سيادة الرئيس ـ نشرت نصوص هذه الوثيقة في مقالاتي تلك الأيام وأعدت نشرها في ذلك الكتاب عن الثورة الإيرانية، وكان شاه إيران لايزال بعد علي قيد الحياة في المنفي، وكان الرئيس «السادات» في عز سلطانه وهيلمانه. وأرجوكم ـ يا سيادة الرئيس ـ أن تتفضلوا بقراءة عبارات هذه المذكرة قراءة ربط ومقارنة.
يقول نص الوثيقة، وهي منشورة بالكامل في صفحة 67 من النسخة الأصلية الإنجليزية من كتابي عن الثورة الإيرانية، «عودة آية الله» ـ ما يلي:
توصيات إلي جلالة الشاه:
1ـ لابد من بدء حملة مركزة لتقديم الشاه إلي شعبه باعتباره أبا لهذا الشعب، ويمكن «لزيادة الألفة» استعمال اللقب الإيراني التقليدي «فارمنده»، وهو يعني «كبير العائلة»!
2ـ لابد من استعمال كل وسائل الدعاية لبناء مكانة وهيبة الشاه شخصيا أمام كل طوائف الأمة، وفي هذا الصدد فإن هناك طائفة من الأمة جاهزة في إيران، وهي علي استعداد لكي تعطي تعاطفها للشاه فورا، إذا هو حاول أن يقترب منها، وتلك هي كتلة المرأة في إيران ـ التي لم تصل بعد إلي درجة المساواة مع الرجل.
(وضع الشاه أخته الأميرة «أشرف» علي قيادة الحركة النسائية تنفيذا لهذه التوصية، وحاولت «أشرف» لصالح شقيقها أن تصبح سيدة إيران الأولي، حتي أزاحتها «فرح ديبا» عن موقعها في معركة بالأظافر والأسنان تقريبا!).
3ـ إن الشاه يجب أن يعمل علي توسيع نطاق طبقة الأغنياء التي هي أقرب بمصالحها إليه ـ منها إلي «مصدق»، ثم إن هذه الطبقة علمانية بالطبيعة، وهي تستطيع إذا أتيحت لها فرص الظهور والربح أن تكون قاعدة لنظامه.
(ومع كل الاحترام لهذا التقرير فإن الطبقات لا تصنع «جاهزة للاستلام الفوري»، وإنما نمو الطبقات حقيقة ترتبط بنمو وسائل الإنتاج وتطور توزيع عوائده، وعملية الإسراع لخلق طبقة عن طريق الضخ الصناعي للنقد السائل لا يمكن أن تنتج غير مجموعات طفيلية لها كفاءة الخطف والنهب، دون كفاءة العمل وتراكم فوائض العمل، وذلك ما حدث في إيران وأدي إلي كارثة سقوط الشاه، ولقد تأخر الانفجار في إيران، لأن ذلك البلد كان واحدا من كبار منتجي البترول، وكان دخل في آخر سنة من حكم الشاه قرابة 40 بليون دولار، وبالتالي فقد كانت الظروف تحتمل عمليات الخطف والنهب، ومع ذلك كانت النهاية محتومة).
4ـ إن الشاه يجب أن يجد وجوها جديدة يقدمها للحياة السياسية ويكون ولاؤها له، مضمونا أكثر من الوجوه التقليدية القديمة مثل «قوام السلطنة» و«ضياء الطباطبائي»، لأن هؤلاء زيادة علي تقدم سنهم، ولا يمكن الاعتماد علي ولائهم، فقد تعاملوا مع والده وعرفوه وهو طفل وصبي وشاب ـ وليس إمبراطوراً!
5ـ إن الشاه يجب أن يلعب دورا بارزا في السياسة الدولية سواء في منطقة الشرق الأوسط أو علي المسرح العالمي، فقد ثبت أن زعماء دول صغيرة استفادوا كثيرا في الداخل من الصورة التي ظهروا بها أمام العالم الخارجي.
6ـ إن الشاه يجب أن يعطي اهتماما كافيا للمسائل الدينية ويستعمل عبارات ودلالات دينية، ويجب أن يظهر باعتباره حامي الدين، وينتزع هذه المكانة من آيات الله في «قم»، كما أنه لابد أن يظهر كثيرا لأداء الصلاة في المساجد، خصوصا في الأعياد والمناسبات.
7ـ إن الشاه لابد أن يتابع بنفسه أجهزة السيطرة، كجهاز المخابرات وغيره من أجهزة الأمن الداخلي، خصوصا أن ما يجيء فيها من حكايات (وحتي فضائح) قوة مضافة إلي معرفة من يطلع عليها ويتابعها ـ والمعرفة بذلك «زيادة» سلطة وتحكم.
8ـ وأخيرا، فإن الشاه عليه أن يولي اهتماما خاصا بسلاح الطيران بالذات، لأنه يملك ميزة محدودية الأفراد ـ ولا محدودية قوة النيران، وذلك إلي جانب إمكاناته الهائلة في الحركة السريعة، وبالسيطرة علي الطيران ـ وهي أسهل من السيطرة علي الجيش بأسلحته المتعددة والكبيرة والبطيئة في الوقت نفسه ـ فإن الشاه يستطيع ضرب أي تمرد ضده حتي إذا جاء من الجيش.
(تطبيقا لهذه التوصية الأخيرة، فإن الشاه وصل إلي حد تزويج أخته الأميرة «فاطمة» إلي الجنرال «خاتمي» قائد الطيران في عهده).
(نفس النصيحة قدمتها سلطات أمريكية للجنرال «ثيو» في «فيتنام» فعين مارشال الجو «كاوكي» نائبا له).
* * *
وثيقة غريبة ـ يا سيادة الرئيس ـ وربما تتذكرون أن شاه إيران كان في زيارة لمصر في بداية تلك السنة التي أحس فيها الرئيس «السادات» بتجمع السحب حوله، وهي سنة 1975.
لقد وصل الشاه «محمد رضا بهلوي» إلي مطار القاهرة يوم 8 يناير 1975، واجتمع عدة مرات بالرئيس «السادات» خلال هذه الزيارة، ولعله حدثه في شؤونه وشجونه كما تعود، ولعل الشاه قدم إليه نصائح سياسي مخضرم مجرب كما كان يفعل كثيراًَ!
وتشاء مفارقات الأيام ـ وهذه نقلة أخري في الحديث، لكنها قريبة وليست بعيدة، ثم هي متصلة وليست منفصلة ـ أن يكون الرئيس «السادات» بعد ست سنوات في وضع يمكنه من رد النصيحة لشاه إيران الذي حضر لاجئا عنده بعد انهيار نظامه في «طهران».
وأستأذنكم ـ يا سيادة الرئيس ـ في إشارة إلي مقال منشور في العدد الخاص الذي أصدرته جريدة «مايو» بتاريخ الجمعة 8 أكتوبر 1982 ـ الذكري الأولي لحادث المنصة ـ وفيه كتب الأستاذ «أنيس منصور» ـ صفحة 8 ـ مقالا طويلا عن ذكرياته مع الرئيس «السادات» بعد أن أصبح أقرب الصحفيين إليه، وفي هذا المقال ينقل الكاتب عن الرئيس «السادات» قوله بالنص:
«لقد أرسلت إلي الشاه بأن يبعث بكل سلاح الطيران إلي مصر قبل خروجه من إيران، ولكنه لم يأخذ بوجهة نظري، ولو فعل لتغير الموقف تماما، فالذي يملك سلاح الطيران يملك قوة جبارة لا يمكن أن يقهره أحد».
* * *
سيادة الرئيس
تري أمامك اتصال الحلقات حتي وإن بدا بعضها بعيدا أو بدا غريبا. تري ـ سيادة الرئيس ـ تفسير عبارة ربما بدت لغزا في بداية هذا الحديث. ولم تعد لغزا قرب نهايته.
«لقد أرادوك لهم، ولكن المقادير أرادتك لنا، وهكذا يجب أن تكون دائماً».
أي أنك ـ سيادة الرئيس ـ لست مدينا لأحد.
كنت ـ كما قلت لكم ـ قد تابعت سجلكم في الخدمة العامة منذ اختياركم لرئاسة أركان حرب الطيران، وحتي انتهاء معارك أكتوبر.
ثم تابعت ـ عن كثب وباهتمام ـ طريقة أدائكم للمنصب الذي عهد به إليكم، وهو منصب نائب رئيس الجمهورية، وكنت أشعر من بعد أنكم تفهمون عملكم باعتباره مهمة في الدولة وفي الرئاسة، وليس في القصر والبلاد!
ولقد أتاحت لي الظروف أن أسمع من أطراف أخري خارج مصر وداخلها عن أسلوبكم في تنفيذ ما يعهد به إليكم، وكان واضحا لي أنكم لا تقتربون من أمر إلا بتكليف واضح ومحدد، ثم إن تصرفكم فيه يكون دائما في إطاره وحدوده.
وأحيانا ـ وأنا أراقب الساحة بنظرة درس وفحص ـ ألحت علي تساؤلات متشابكة، وانتهي رأيي إلي أن تطور الحوادث سوف يرد يوما ما عليها جميعا.
وتابعت ما تلي حادث المنصة بقدر ما أتيح لي داخل السجن.
وحين شاءت إرادة الله أن نلقاكم يوم الإفراج عنا، فلقد دخلت مستعدا بحواسي يقظي لالتقاط أي إشارة ورصد أي خلجة.
وحين سمعتكم تقولون: «أريد صفحة جديدة في تاريخ مصر، وأريد حوارا مع كل القوي الوطنية، وأريد وقتا لأفكر» ـ فلقد تنفست الصعداء.
وذلك كلام عكس شعور رجل يحس في أعماقه أنه ليس مدينا لأحد، وهو الآن أمام صفحة جديدة يكتب فيها بيده وبملء حريته تاريخ عهده كما يريد.
* * *
أطلت ـ يا سيادة الرئيس ـ لكن رسالتي إليكم لم تكتمل، لقد ذهبت بي مقدماتها بعيدا.
ولم أفرغ بعد من عد أسبابي لتأييدكم، ثم الانتقال بعد ذلك إلي صلب ما أردت بهذه الرسالة أن أقوله لكم، عيبي أحيانا ـ يا سيادة الرئيس ـ أن مقدماتي مستفيضة، لكني واحد من هؤلاء الذين يعتقدون أنه لا سبيل للوصول إلي نتائج واضحة بدون مقدمات واضحة، مهما طال الحديث وتشعب.
ولقد ترون ـ وأوافقكم ـ أن أتوقف عند هذه النقطة، ثم أستأنف بعد استراحة لالتقاط الأنفاس.
ومع التحية ـ يا سيادة الرئيس
لكم موفور الاحترام.



يمشى وحده و يموت وحده .. و يبعث يوم القيامة أمة وحده


صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم
الحديث كان عن ابا ذر الغفارى ..
و دائما اتذكر و احاول ان اتخيل كم الصبر .. الذى كان عليه .. و هو يمشى فى الصحراء .. وحده ..
احساس الوحدة اشعر به هذه الايام بصورة مستمرة ...
و احاول ان امنى نفسى .. بان هذا خير لى ...


دارت على ايام اشد ضيقا .. و لكن لم يكن احساس الوحدة بهذه الصورة الصعبة ..
سبحان الله .. ..


ادعوا بالرحمة يرحمكم الله


هذا القول لا انقطع عن ترديده عند حدوث حالة وفاة فى المستشفى .. عندما ياتى مريض فى حالة احتضار .
و لكن المشهد التقليدى .. ان يقوم الاقارب (اولاده . زوجته ... اى حد) بالصراخ على الاطباء و التمريض .. الحقوه يا اولاد ال... و تلاقى مليون فتوى .. اديله اكسجين .. اعمله تنفس صناعى .. اعمله كهربا فى القلب ..

يا عباد الله سيبونا نشتغل... تلاقى اللى واقف فوق دماغك مش سايبلك مساحة تتحرك .. و لا اللى ماسك ايديه او رجليه يدلكهاله .. يا اخى عايزين نتحرك .. مرة من المرات واحد رفض يسيب رجل قريب له و احنا حندى صدمة كهربا .. يا اخى حاسب .. رد : مالك صالح (يعنى ملكش دعوة . ... و تم اعطاء صدمة الكهربا .. و اخونا الفاضل اتكهرب ....

اللى يضايق اكثر .. ثقافة السب .. الناس عندها قناعة انك لو سبيت الدكتور او الممرضة يشتغل احسن ...
سبحان الله لو الدكتور مش بيخاف الله حيديك علاج لا يضر و لا ينفع .. او يديك علاج يعذبك بالاعراض الجانبية ..
الاحترام المتبادل ... مهم


نرجع لموضوعنا .. ادعوله بالرحمة يا اخواننا .. ده وقت قبض الروح .. و فيه ملائكة تؤمن على ما تقولون .. فادعو بالرحمة
الكارثة بجد ان الناس ليس عنده ما تقوله . يعنى اكثر من مرة اقول لواحد ادعيله .. يقرا الفاتحة .. اية الكرسى ؟؟؟
ادعيله يا اخى ..
نحن فى حاجة الى ان نتعلم كيف نستعد للقاء الله ... ليس لنا فقط بل لمن يعيشون حولنا...
اللهم انى اعوذ بك من الغفلة ..

فى انتظار تعليقاتكم


تـاملات فى سورة الكهف

(منقول)
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
من يقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء الله له نورا من تحت قدميه إلى عنان السماء” رواه الدرامي.
و قال ايضا

”من أدرك منكم الدجال فقرأ عليه فواتح سورة الكهف كانت له عصمة من الدجال“ رواه الترمذي.

سورة الكهف 4 قصص

الاولى اصحاب الكهف

قصة لشباب مؤمن كانوا يعيشون في بلدة كافرة فعزموا على الهجرة والفرار بدينهم بعد مواجهة بينهم وبين قومهم. كافأهم الله برحمة الكهف و رعاية الشمس .
استيقظوا فوجدوا القرية مؤمنة بكاملها.

العبرة منها فتنة الدين و النجاة من فتنة الدين بالصحبة الصالحة.

الثانية صاحب الجنتين

قصة لرجل أنعم الله عليه، فنسي واهب النعمة فطغى وتجرأ على ثوابت الإيمان بالطعن والشك
و لم يحسن شكر النعمة، رغم تذكرة صاحبه..
هلاك الزرع والثمر.
الندم حين لا ينفع الندم.

العبرة منها فتنة المال و الولد و النجاة بمعرفة حقيقة الدنيا.

الثالثة قصة سيدنا موسى و سيدنا الخضر

عندما سئل موسى: من أعلم أهل الأرض ؟ فقال: أنا ..، فأوحى الله إليه أن هناك من هو أعلم منك --
فسافر إليه موسى ليتعلم منه كيف أن الحكمة الإلهية قد تغيب أحيانا ولكن مدبرها حكيم محال في حقه العبث.
( مثال: السفينة ، الغلام ، الجدار)

العبرة منها فتنة العلم و النجاة بالتواضع.

الرابعة قصة ذى القرنين

قصة الملك العظيم الدي جمع بين العلم والقوة ، وطاف جوانب الأرض ، يساعد الناس وينشر الخير في ربوعها . تغلب على مشكلة يأجوج ومأجوج ببناء السد و استطاع توضيف طاقات قوم لا يكادوا يفقهون قولا.

العبرة فتنة السلطة و النجاة بالاخلاص


علاقة الدجال بسورة الكهف

يطلب من الناس عبادته من دون الله .
فتنة الدين
*سيأمر السماء بالمطر ويفتن الناس بما في يده من أموال.
فتنة المال
*فتنة العلم بما يخبر به الناس من أخبار
فتنة العلم
*يسيطر على أجزاء كبيرة من الأرض
فتنة السلطة

النجاة من الفتن

الصحبة الصالحة : ” و اصبر نفسك مع الدين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ”

* معرفة حقيقة الدنيا : ” و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تدروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا“


التواضع : ” قال ستجدني انشاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا “

الإخلاص : ”فمن كان يرجولقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا “